نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة المدثّر

الجزء ١٩ · صفحة ٢٣٣

فالخطاب موجّه لرسول الله على وجه التّسلية والتّثبيت بعد أمره تعالى له بالصّبر وقوله: (وَحِيدًا): يكون بمعنى دعني وحدي أكفيك شان هذا المكذب الجحود، فأنا الذي أتولّى حربه وأكفيك كيده ويحتمل أن يكون المعنى خلقته وحيدا إذ خرج من بطن أمّه عاريا لا مال له ولا ولد ولا جاه، وقوله تعالى: (وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا): أي بسط الله من أنواع النّعيم ويستر له من أسبابها ما جعله محظوظًا لا تعترضه مشاكل ولا عقبات وهو مع ذلك يطمع في المزيد، وذلك لا يتأثى إلا من الله ولذلك نسب فعل الزّيادة إليه، وهذا الرّجل هو نموذج لطلاب الحياة الدّنيا الذين قال فيهم رسول الله: «لو كان لابن آدم واديان من ذهب وفضة لتمنى أن يكون له ثالث، ولا يملأ جوف آدم إلا التّراب»(1). وبعد إغراق الرّجل في طمعه يأتي التّعقيب عليه بالرّدع والتّبكيت بقوله تعالى: (كَلآَّ): ثم يعلّل ذلك فيقول: (إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا* سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا): أي إنه بعد أن أدرك حقيّة القرآن وعظمة ما سمع من آياته، أصبح معاندا جاحدا مستكبرا عن الإيمان واقفا في وجه الدّعوة استبقاء لمكانته الاجتماعية بين قومه، ويعقبه الله على الرّدع بالوعيد في تصوير بليغ بتشبيهه بمن يصعد عقبة كأداء يتحمّل فيها مالا يطيقه من المشقة والإرهاق في عذاب يوم الدّين وهو -أيضا- تهديد بما سيتعرض إليه في الدّنيا من الشّدة والعسر بعد تلك الوضعية المريحة التي كان عليها، ثم يرسم الله له صورة مثيرة للسخرية يبيّن الله الحالة النّفسية المضطربة وآثار ذلك على حركته وعلى قسمات وجهه فيقول:

(1) 1 - الحديث:

٦٬١٤٥ / ٦٬٧٦٧