نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الإنسان

الجزء ١٩ · صفحة ٢٧٩

إذا كان حبّ الدّنيا رأي كل خطيئة -كما تقول الحكمة- فإن هؤلاء الطّغاة المغرورين بقوتهم ينسون مصدر وجودهم وواهب قوتهم وهم متهالكون في فتنة الدّنيا ولا يلتقون إلى ما وراء ذلك مما ينتظرهم في الحياة الأخرى من الشّدائد والأحوال لأنهم لا يؤمنون به ابتداء أو هم مؤمنون ولكنهم تعجّلوا متاع الدّنيا، وهم عن الآخرة هم غافلون، والله تعالى يهوّن من شأن هؤلاء بأنه قادر على الذّهاب بهم واستبدالهم بغيرهم لأنه هو خالقهم وما نحبهم تلك القوة لحكمة يريدها فقال تعالى: (نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ): وفي ذلك تهديد للكافرين وتطمين للمؤمنين وهم ما يزالون يعانون من القلة والضّعف، ولكنهم يستندون إلى خالق الوجود وينهضون بدعوته ويوقنون بحكمة قضائه وقدره فلا يعجزه شيء في الأرض ولا في السّماء وأن ما جاء في هذه السّورة وغيرها من آيات القرآن إنما هو تذكرة وموعظة للذي يريد الهداية ويسلك بها السبيل إلى ربّه طلبا لمرضاته.

(اِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً* وَمَا تَشَآءُونَ إِلآَّ أَنْ يَّشَآءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا):

لقد علق الله أمر الهداية بمشيئة الإنسان، وإن كانت تلك المشيئة لا تندّ عن مشيئة الله المطلقة في علمه الأزلي وقدره، ولا يعني ذلك إجبار الإنسان بالرّغم من إرادته واختياره، وإنما ليدرك الخلق كلهم بأن الله هو الخالق المتصرف في الأقدار ليتجهوا إليه ويستسلموا لقدره فهو الذي منحهم القدرة على التمييز والإدراك، بين الحق والباطل، وأعطاهم حرية الاختيار بينهما والكل ينتهي إلى الله للحساب والجزاء، وهو العليم بتلك النهاية، والحكيم في تيسير الوسيلة وتقرير الغاية.

٦٬١٩١ / ٦٬٧٦٧