هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

34

الجزء ١ · صفحة ٢٤٣

وتأول قوله : ﴿ كان من الجن ﴾ وأنه كان من الجن فى فساد افعل ، والاعتقاد والوقل ، من الملائكة أصاله وجسما ونوعا ، كما نقول عمر من الشياطين وحاله والبهائم ، فهو يقول : إن إبليس عدو الله من الملائكة ، لكنه فسق كما تفسق الجن ، فيصير البحث مع ذلك القائل فى عصمه الملائكة . والحق أنهم معصومون لقوله تعالى : ﴿ وهم بأمره يعملون ﴾ إى لا يعملون إلا بأمره ، وأنه ليس من الملائكة لأن قوله : ﴿ كان من الجن ﴾ ظاهر فى أنه واحد منهم ، وأن نسبته فيهم ، وهذا حقيقة الكلام والمتبادر منه ، والتأويل المذكور مجاز ، وخلاف المتبادر ، فلا يحمل عليه بلا قرينة واضحة ، وزعم قومنا أن ابن عباس روى أن من الملائكة نوعاً يتوالدون ، يقال لهم الجن ، ومنهم إبليس . وذكر أصحابنا أن من قال الملائكة ذكوراً وإناثا مشرك ، وكذا إن قال : يتوالدون . وقيل لا يشرك إن قال ذلك فى أفراد منهم أو فى نوع ، بل إن قال فيهم عموماً لأن قائل هذا تأول قول ابن عباس ، الذى زعموا عنه . ومن أطلق الإشراك ولو على من قال ذلك فى أفراد أو نوع ، يحمل كلامه على من قال ذلك تعمدا بمخالفة القرآن أو جهلا لا على من قاله اعتمادا على ما روى عن ابن عباس ، وكذا يحمل قوله بإشراك من قال : إن إبليس من الملائكة على من قاله جهلا أو عنادا للقرآن ، لا على من قاله اعتمادا على ما روى عن ابن عباس مثلا ، وكذا الكلام فى عصمة الملائكة ، فقد قيل إن الملائكة ليسوا كلهم معصومين ، ولكن الغالب فيهم العصمة ، كما أن الإنس ليسوا معصومين ، لكن القليل فيهم العصمة ، ويجوز أن يكون الجن أمروا بالسجود كما أمر الملائكة وأن فى الكلام حذف تقديره : وإذا قلنا للملائكة والجن اسجدوا لآدم فسجدوا ، يعنى الملائكة والجن ، إلا إبليس فيكون الاستثناء متصلا . وإن قلت : كيف تسجد الجن وهم شرور؟ قلت : يسجد مؤمنوهم طوعا وإخلاصا . ويسجد مشركوهم ومنافقوهم كارهون فى قلوبهم غير مخلصين . وإن قلت : إذا قدرت محذوفا هكذا : وإذ قلنا للملائكة والجن ، فما الدليل عليه؟ . . قلت : يدل عليه بعض دلالة استثناء إبليس ، ويدل عليه أنه إذا أمر الكبار بالسجود وهم الملائكة ، فأولى أن يؤمر به الصغار وهم الجن . قيل : ويحتمل أن يكون الجن قسمين : قسم ملائكة تخالف سائر الملائكة غير معصومة ، وخلقت مما خلقت منه الشياطين وسائر الجن ، وقسم شياطين ، وإن إبليس - أعاذنا الله منه - من القسم الأول لا من سائر الملائكة ، فصلح عليه الوقوع فى المعصية ، فيكون النور الذى خلقت منه الملائكة قسمين : قسم هو نور محض غير نار ، ومنه خلقت الملائكة المعصومون . وقسم هو نار ، ومنه خلقت الملائكة غير المعصومة ومنه إبليس . وخلقت الشياطين من نار ودخان مختلطين ، كما قال الله تبارك وتعالى : ﴿ من مارج من نار ﴾

٢٤٣ / ٧٬٦٨٠