هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

34

الجزء ١ · صفحة ٢٤٤

أو قيل لمارج اللهب الخالص عن الدخان وقال الله تبارك وتعالى حكاية عن عدوه : ﴿ خلقتنى من نار ﴾ وحقيقة النار والنور واحدة ، وهى الجوهر المضىء ، غير أن ضوء النار مكدور بالدخان مستور به . فإذا كانت النار مصفاة عن الدخان كانت محض نور ، وإلا تزايل الدخان حتى ينطفئ نورها ، ويبقى الدخان الخالص ، وأصل النور مطلقاً الإحراق والحرارة ، ألا ترى الشمس والقمر كيف كانت فيهما الحرارة؟ ألا ترى النار؟ ألا ترى ما وردت فى الأحاديث من أن الأنوار تحرق ، كموسى حين قصة طلب الرؤية ، لولا الله لاحترق بالأنوار ، وجبريل حين وصل موضعا فوق السماء السابعة فوقف وقال : لو دخلته لاحترقت ، وذلك ليلة الإسراء . . . والله سبحانه وتعالى أعلم . قال رسول الله A : « خلقت الملائكة من نور ، وخلق الجن من مارج من نار ، وخلق آدم مما وصف لكم » رواه مسلم عن عائشة - رضى الله عنها - وروى عن ابن عباس والحسن : إن إبليس أبو الجن ، كما أن آدم أبو البشر ، ولم يكن قط ملكاً . قال الحسن واسمه الحارث : وقال شهر بن حوشب : كان من الجن الذين كانوا فى الأرض وقاتلتهم الملائكة فسبوه صغيراً ، فتعبد مع الملائكة وخوطب معها ، وحكاه الطبرى عن ابن مسعود . وزعم الطبرى أن الراجح قول من قال : إن إبليس كان من الملائكة ، وقال : ليس فى خلقه من نار ، ولا فى تركيب الشهوة والنسل فيه ، حين غضب عليه ما يدفع أنه كان من الملائكة وقوله D : ﴿ كان من الجن ﴾ معناه أنه عمل عملهم . بل الملائكة قد تسمى جنا لاستتارهم .

قال الأعشى فى سليمان عليه السلام :

وسخر من جن الملائك أنفسا … قياماً لديه يعلمون له جزما

قال عياض ومما يذكرونه قصة إبليس وأنه كان من الملائكة ورئيساً فيهم ومن خزان الجنة ، وهذا لم يتفقوا عليه ، بل الأكثر يفون ذلك ويقولون إنه أبو الجن . وإن قلت قد أسبقت أن لفظ إبليس عجمى ، فليس مشتقاً من الإبلاس ، بمعنى انقطاع الرجاء . أو بمعنى البعد عن الخبر . قلت : نعم لكن روى عن ابن عباس أنه مشتق من أبلس بمعنى بعد عن الخير ، أو بمعنى انقطع رجاه كقوله تعالى : ﴿ فإذا هم مبلسون ﴾ وعليه فهو لفظ عربى بوزن إفعل لكن تشكل عليه منعه من الصرف ، فلعله مشتق من ذلك فى لغة العجمية على أنه وجد فيها تلك المادة بهذا المعنى ، فيمنع للعلمية والعجمة . ووزنه ما ذكر ، لأنه لا مانع من بيان الزيادة فى اللفظ العجمى المشتق فى العجمة ، وذلك متبين فى لغتنا البربرية ، اللهم إلا أن يقال : إنه عربى منع صرفه لشذوذه وقلته . وزعم الزجاج أن وزنه فعايل وكأنه براه أعجمياً ، ولم يظهر له فيه تصرف على لغة العجم فحك بأصالة حروفه غير المثناة ، والمناسب على هذا أن يقول أيضاً بأصالة المثناة كالهمزة ، وقيل : كان اسمه بالسريانية عزازيل كما سماه به أو بنصر فتح النفوشى التملوشائى - C - فى النونية .

٢٤٤ / ٧٬٦٨٠