58
الجزء ١ · صفحة ٣٢٣﴿ وَإِذْ قُلْنَا ﴾ : لهم بعد خروجهم من التيه ، وقد قيل مات الكبار فيه وخرجت أولادهم .
﴿ ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ ﴾ : فرية أريحاء بالحاء المهملة وهى قرية الجبارين قاله ابن عباس ، وقيل ( بالخاء المعجمة ) وعلى كل حال هى قرية بالغور قريبة من بيت المقدس ، وهى ( بفتح الهمزة ، وكسر الراء ) روى أن فيها قوماً من بقية عاد يقال لهم العماليق ، ورأسهم عوج ابن عناق أمرهم الله سبحانه وتعالى بدخولها على لسان يوشع بن نون فيما قبل ، لأنه هو الذى فتح أريحاء بعد موسى ، لأن موسى وهارون ماتا فى التيه ، وقال قوم : لم يموتا فيه ، وقال قوم : هما حيان حتى خرجا منه وماتا فى غيره ، وقد اختلفوا فى موسى وهارون ، هل وقع التيه بهما؟ فمن قال إنهم وقعوا فيه بدعاء اللعين بلعام ، قال وقع بهما ، ومن قال : وقعوا فيه بدعاء موسى قال لم يقع بهما ، وحكى الزجاج عن بعضهم إنهما لم يكونا فى التيه لأنهُ عذاب والأكثر أنهما فيه .
( وظاهر قوله تعالى : ﴿ فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ﴾ يقوى أنهما لم يكونا فيه ، وكذا قال الفخر ، وكانت تلك القرية قاعدة ، ومسكن ملوك ، وقال الجمهور هى بيت المقدس ، فمن قال مات موسى فى التيه قال أمرهم الله بدخولها على لسان موسى بأن قال لهم إذا تم أربعون سنة وخرجتم من التيه ، فادخلوا بيت المقدس ، وإنما سميت المدينة قرية لأنها تجمع الناس ، من قريت الماء فى الحوض إذا جمعتهُ .
﴿ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً ﴾ : أكلا واسعاً لم يمنع عنكم منه شئ ، فرغدا مفعول مطلق ، ويجوز كونه حالا من الواو ، وتقدم الكلام على رغداً .
﴿ وَادْخُلُوا الْبَابَ ﴾ : باب القرية وعن مجاهد : هو باب فى مدينة بيت المقدس يعرف إلى اليوم ببات حطة ، وقيل : باب من أبواب بيت المقدس ، وقيل : هو باب القبة التى كانوا يصلون إليها ، لأنهم لم يدخلوا بيت المقدس فى حياة موسى عليه السلام ، وهذا الدخول كان فى حياته على هذا القول ، وقيل : لم يؤمروا بباب مخصوص ولكن للقرية سبعة أبواب أمروا أن يدخلوا من أى باب أرادوا .
﴿ سُجَّداً ﴾ : منحنين منكسى الرءوس كالراكع أو دونهُ أو فوقهُ أو ساجدين بقلوبهم أى خاضعين ، وعلى الوجهين السجود شكراً لخروجهم من التيهِ ، وهو حال مقارنة ويجوز أن يكون السجود سجوداً على الوجه بأن يسجدوا قرب الباب ، ثم يدخلوه فتكون الحال محكية لا مقارنة ، وربما تطلق المقارنة على التى اتصل وقوعها بوقوع العامل أو انتفائه قبله أو بعده كما يطلق على التى اتحد زمانها وزمان العامل ، وعن ابن عباس : سجداً راكعين ﴿ وَقُولُوا حِطَّةٌ ﴾ : خبر لمحذوف أى قولوا مسألتنا خطة لذنوبنا ، أى حط لها ومحو وهو نوع عظيم أكيد من الحط ، لأنهُ يدل على الهينة كالجلسة ( بكسر الجيم ) أو أمرك حطة لها أى شأنك حط الخطايا فاحططها عنا ، أو أمرك الذى رغبنا فيه حطها ، واللفظ إخبار والمراد الطلب أو أمرنا حطة فى هذه القرية ، أى إقامة فيها ، وأصل ذلك النصب أى احطط عنا خطايانا حطا ، وعدل إلى الرفع ترغيباً فى طلب الثبات والدوام ، وقرأ ابن أبى عبلة ( بالنصب ) على هذا الأصل فهو مفعول مطلق لمحذوف ، والمحذوف مفعول للقول ، أى قولوا احطط عنا خطايانا حطة ، أو مفعول للقول ، أى قولوا هذه الكلمة وهى لفظ حطة بالنصب ، أمرهم أن يقولوه منصوباً مريدين معنى احطط حطاً ، أو مرفوعاً على الأوجه السابقة ، وعلى هذا نصب لأنهُ مفعول القول فى الآية مثل أني قال قام عمرو فتقول قل زيداً بالنصب ، أى اذكر لفظ زيد بدل لفظ عمرو ، وقل قام زيد بالرفع ، ويجوز ألا يراد بالحطة بالنصب اللفظ ، بل ما يحط الخطايا .