34
الجزء ١ · صفحة ٢٤٦﴿ أستكبرت أم كنت من العالين ﴾ ومعنى العالين : المعاندون مواجهة أو المدعون الربوبية . فأجابه عدو الله بقوله : ﴿ أنا خير منه ﴾ فيكون هذا الجواب إقرارا بأنه من العالي ، كأنه عاند وقال : أمرك إياى بالسجود له غير صواب . فيناسب أن الكفر هنا شرك . قلت : لا نسلم أن المعنى كذلك ، بل المعنى أنت مستعل بلا تأهل للعلو أم عال حقيق بالعلو فلا يلزم أن الأنسب تفسير الكفر لشرك ، وإبلس مشرك قطعا ، إن لم يشرك من الآية أشرك من غيرها ، مثل دعائه الثقلين إلى عبادته . وقد اختلف قومنا هل كفره جهل أو عند؟ الصحيح أنه عناد ، وتفيد الآية قبح الاستكبار ، إذ هو فى نفس نفاق ، وقد يفضى بصاحبه إلى الشرك ، وتفيد الحث على امتثال الأوامر ، وترك الخوض فى سرها ، إلا بعد الامتثال وصميم الاعتقاد ، أو بعد الاعتقاد الصميم فى كونها صوابا ، وترك الخوض فى وساوس النفس . وتفيد أن الأمر للوجوب إذا جرد عما يصرفه عنه ، ولولا أنه للوجوب لم يقطع عذره بعد السجود ، بعد مجرد قوله اسجدوا . بل حتى يقول اسجدوا ، فان السجود واجب عليكم . أو اسجدوا ، ومن لم يسجد أغضب ، أو أهلكه أو يكفر أو نحو ذلك . وتفيد ان الشقى كافر تحقيقا ولو فى حال عبادته إذ العبرة بالخاتمة ، فهو يختم له بالكفر وهذه المسألة عندنا وعند الأشاعرة ، وتسمى الموافاة . وتنسب إلى أبى الحسن الأشعرى ، وذلك أنه يوافى الشقى الموت ولقاء الله بالكفر . أو تفيد الآية أيضا تقريع اليهود جحودهم ، إذ كفروا بسيدنا محمد - A - مع علمهم برسالته من التوراة والكتب والأخبار والمعجزات ، حسدا له وللعرب بنى إسماعيل واستكباراً ، ومع تقدم نعم الله - D - عليهم وعلى أسلافهم ، فاليهود نظروا إبليس ، وكذلك كل من استكبر . وعنه A : « إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد ، اعتزل الشيطان يبكى يقول : يا ويلتى أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة ، وأمرت بالسجود فعصيت فلى النار » رواه مسلم عن أبى هريرة .