34
الجزء ١ · صفحة ٢٤٥وبالعربية الحارث . ولما عصى غير اسمه فسمى إبليس . وغيرت صورته . قيل كان ملكاً فغيرت صورته عن صورة الملائكة وأجسامهم ، فكأنه على هذا القول ملك منسوخ ، ونسب لابن عباس وهو ظاهر ترجيح الطبرى السابق :
﴿ أَبَى ﴾ : امتنع عما أمر به من السجود ، فإن الإباء الامتناع بالاختيار ، لا بطبع ولا بإكراه .
﴿ وَاسْتَكْبَرَ ﴾ : بالغ فى الترفع عن أن يفعل فعلا فيه خضوع لآدم ، واعتراف بفضله وسعى فى صلاحه وعن أن يتخذ آدم وصلة فى عبادة ربه - D - فإن التكبر أن يذعن الرجل إلى ما تدعيه نفسه من أنه أكبر من غيره ، ويطلق أيضاً على ما يقتضيه ذلك الإذعان من فعل أو قول ، مثل : أن يعرض عن الفقير أو يقول فيه قولا غير حسن فيسمى ذلك الإعراض أو ذلك القول تكبرا ، هذا ما ظهر لى وهو إن شاء الله أولى من قول بعض إن التكبر أن يرى الرجل نفسه أكبر من غيره والاستكبار المبالغة فى ذلك الإذعان لتعاطيه التنزين بما ليس عنده ، ويطلق على المبالغة فيما يقتضيه ذلك الإذعان . وهذا أولى من أن يقال هو طلبه أن يرى نفسه أكبر من غيره بالتزين بما ليس عنده ، وقيل الاستكبار الدخول فى الكبرياء ، وإن قلت إيهما سبق الاستكبار أم الإباء؟ . . قلت : أما فى الخارج فالسابق الغباء لما أبى ظهر للملائكة أنه استكبر ، وأما فى نفس الأمر فالسابق الاستكبار فإنه لما اعتقده تولد منه الإباء . وقال ابن القاسم صاحب مالك : قال مالك بلغنى أن أول معصية كانت الحسد والكبر والشح ، حسد إبليس آدم وتكبر وشح آدم فى أكله من شجرة قد نهى عن قربها ، وفى إطلاقه الشح على آدم سوء أدب بحسب الظاهر ، لكنه - والله أعلم - أراد شح النفس الطبعى .
﴿ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴾ : فى علم الله بحسب ظاهره مؤمناً شاكراً عند الملائكة ، فإباؤه واستكباره نتيجة ما قضى الله عليه من الكفر ، أو المعنى صار من الكافرين ، أى ظهر كفره ، أو دخل فى الكفر بامتناعه عن السجود ، واعتقاده أنه خير من آدم ، وأن الفاضل لا يسجد للمفضول ، ولا يخضع له ولا يتوسل به ، واعتقاده أن أمرا لله إياه بالسجود لآدم غير صوب ، لأنه أفضل . والمراد بالكفر مطلق الفسق المضاد للشكر ، فهو شامل للنفاق والشرك ، فترك السجود الوجب عليه نفاق ، وكذا استكباره . وأما اعتقاده أن أمره بالسجود غير صواب فشرك . ويحتمل أن المراد بالكفر النفاق ، وهو ترك السجود ، فالكفر فى الآية : إما نفاق كما يتبادر من ذكره بعد الإباء والاستكبار . وإوما عام للنفاق والشرك ، قلنا : فى الآية دليل على أن فسق الموحد ، يسمى كفرا ، وإن قلت فقد قال الله سبحانه وتعالى :