سورة الملك
الجزء ١٩ · صفحة ١٠٠بعد بيان القصد الإلاهي والغاية من خلق الموت والحياة في أول السّورة ثم التعرّض لما أعده الله للشياطين من عذاب السعير بعد رجمهم بالشّهب في الدّنيا جاءت تتمة مشهد العذاب الأخرويّ عموما للكافريت بوصف أهوال جهنم وهي تفور وتتغيظ وهم يعترفون لملائكة العذاب بذنوبهم، وفي مقابل ذلك المغفرة والأجر الكبير للمؤمنين باختصار. ليعود الله إلى تهديد الكفار بأنه عليم بكل ما يصدر عنهم سواء أعلنوا به أو أسروه فهو الخالق العليم بخلقه، ومن لطفه ورحمته أن ذلّل لهم الأرض ووفّر أرزاقهم عليها، وقد أذن لهم بكسبها والانتفاع بها فقال تعالى: (وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِيسَ الْمَصِيرُ* إِذَآ أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ* تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ):
لزّ الله في قرن واحد الشّياطين والكفّار أي الإنس والجن الجاحدين بوحدانية الله والمكذبين برسله فإن مصيرهم جميعا إلى النّار، ثم يرسم لنا مشهدا مثيرا وهم يطرحون في لهيبها المشعر وله فروائه صوت منكر يصك ءاذانهم وهي تستقبلهم في غضب شديد تكاد تتقطع أوصالها بكظم ذلك الغيظ كما يفعل الإنسان المكظوم بعدوّه ويرد في القرآن مثل ذلك التصوير الحيّ لكائنات نعدّها نحن من الجمادات لا تتحرك ولا تحسّ ولكن الله تعالى أعلم بحقيقة ما خلق، ولكل كائن من مخلوقاته لغته التي يسبّح ويمجّد بها الخالق، ولكل منها تعبير للخضوع والإذعان لمشيية الله وإرادته وقد أنطق الله البعض لرسله وهم بشر، فكيف لا تنطق لخالقها وهو أعلم بها؟؟ …