نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة المدثّر

الجزء ١٩ · صفحة ٢٤٤

(كُلُّ نَفْسِم بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ* اِلآَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ* فِي جَنَّاتٍ يَتَسَآءَلُونَ* عَنِ الْمُجْرِمِينَ* مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ* قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ* وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ* وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَآئِضِينَ* وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ* حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ* فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ):

إنه تقرير لعاقبة اختيار الإنسان ما يقدمه من خير أو شرّ لكل امريء يحمل تبعة نفسه في ما يختاره لها، إذ هي مرتهنة بما كسبت، فليست مؤاخذة بخطايا غيرها، كما أنها لا تنتفع وهي آثمة بصالح أعمال أباءها وأجدادها، وقد أقام الحجة على خلقه ببيان طريق الخلاص وطريق الهلاك ليكونوا على بصيرة من أمرهم في ما يختارون، ويستثنى الله من تلك القاعدة أصحاب اليمين، وهم السّعداء الناجون في الآخرة ممن يتناولون صحائف أعمالهم بإيمانهم وقد جعل القرآن ذلك علامة للخير والنّجاة فهؤلاء وهم في الجنات يتنعّمون يتساءلون في ما بينهم، أي صدور الفعل من جانبين، فيأتي الجواب ممن سأل بعض المجرمين فتلقى ذلك الجواب منهم، حتى لكأن مشهد الحوار قائم في تلك اللّحظة، فيكون التّساؤل مجازيا للتوبيخ والتبكيت. ويقول الإمام ابن عاشور: "فإن كان السّؤال على حقيقته مستعملا في أصل معناه كان الباعث على السّؤال، إما نسيان الذي كانوا علموه في الدّنيا من أسباب الثّواب والعقاب فيبقى عموم يتساءلون الرّاجع إلى أصحاب اليمين وعموم المجرمين على ظاهره، فكل من أصحاب اليمين يشرف من أعالي الجنة على المجرمين فيسألهم عن سبب ولوجهم النار فيحصل جوابهم، وذلك إلهام من الله ليحمده أهل الجنة على ما أخذوا به من أسباب نجاتهم مما أصاب المجرمين ويفرحوا بذلك" انتهى(1).

(1) 1 - التّحرير والتّنوير: جزء 29، صفحة: 326.

٦٬١٥٦ / ٦٬٧٦٧