نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الإنسان

الجزء ١٩ · صفحة ٢٧٤

(وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا): لخطاب إلى غير معيّن وكأنه مشرف من مكان عال لرؤية أوسع وأشمل للجنة ونعيمها وأنّى للرائي أن يستقطب ذلك المنظر في جنة عرضها السّماوات والأرض، وكما ورد في حديث عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة ينظر إلى أقصاه كما ينظر إلى أدناه»(1).

نعم: إنه نعيم لا يستوعبه وصف ولا يحيط به نظر وملك كبير أين منه ملك الدّنيا المحدود المشوب بالأكوار والمتقلب مع اختلاف الليل والنّهار.

إن ذلك الملك العريض هو للأبرار الإطهار، وقد خلع الله عليهم لباس الزّينة والفخار فقال تعالى: (عَالِيهِمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا): وفي شارات عظمة ذلك الملك زينة الثّياب المتمثلة في منظرها وفي نوعيتها، فهي من الحرير الزّاهي بألوانه الخضراء والغالي بنوعية من الحرير والديباج الرّقيق والغليظ يغطّي أجسامهم في رشاقة وبهاء، ويتحلّون بأساور من فضة ومن ذهب -كما ورد في سورة الكهف- مما كان يتحلى به ملوك الدّنيا عادة، ولكن أين منهم حليّ الجنة؟؟ .... ثم ذكر الله سقياهم بشراب آخر طهور غير ما تقدّم، عطاء كريما من ربّهم شرابا خاليا من الأدران مطهرة للنفوس والأبدان، وفوق ذلك النّعيم الحسيّ يأتي هذا النّداء العلويّ المشرّف: (اِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا): الإشارة إلى نعيم الجنة المذكور، يتلقون هذا النّداء من ربّهم زيادة في التّكريم والتّشريف، وهو أعظم وأكرم على نفوسهم من كل ما منحوه من المتع الحسية لأنهم يستشعرون به الرّضى والقبول من ربّ العالمين ويتبوؤون بذلك منازل القربى عنده جزاء ما قدموه من أعمال كانت محلّ شكر عند الله وهو خير الشّاكرين.

-والله أعلم-

(1) 1 - الحديث:

٦٬١٨٦ / ٦٬٧٦٧