سورة المرسلات
الجزء ١٩ · صفحة ٢٨٧و (مَّآءٍ مَّهِينٍ): هو ماء التناسل في الرّجل وصفه الله بأنه: (مَّهِينٍ): أي الضّعيف القليل من فعل: مهن يمهن، ولكن القدرة الإلاهية أو دعته في قرار مكيّن يحفظه من التّلف وهو رحم المرأة عندما يلقح بويضة فيتدرج الجنين في أطواره في وضع محكم ونظام ثابت مع تقدير الفترات المعينة لكل طور والقدرة على ذلك التّخلف فنعم صاحب تلك القدرة في إخراج الإنسان على أحسن تقويم فهو الجدير بالشّكر والامتنان، فويل لمن كذب بقدرته على إعادة خلق ذلك الإنسان، وقد سخر الله الأرض لتكون مهادا لحياته ووعاء أمينا لرفاته فقال تعالى:
(أَلَمْ نَجْعَلِ الاَرْضَ كِفَاتًا* اَحْيَآءً وَأَمْوَاتًا* وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتًا* وَيْلٌ يوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ): (كِفَاتًا): الشّيء الذي يكفن فيه، أي يضمّ ويجمع، وكون الأرض وعاء جامعا فصّله الله بقوله: (اَحْيَآءً وَأَمْوَاتًا): أي تحملهم على ظهرها أمما وشعوبا وتحفظهم في بطنها أمواتا، وقد اهتدى العلماء حديثا إلى معرفة تلك القوة التي تجتذب بها الأرض الأشياء إليها فتثبت على ظهرها محيطات وبحارا وقارات، وهي تدور حول محورها بسرعة فائقة، فاسمّوا تلك القوّة بالجاذبية، وقد استطاع الإنسان الانفلات من تلك القوّة بالدّفع الصّاروخي إلى أجرار الفضاء حيث ينعدم الوزن ولا تثبت الأشياء في أماكنها، وأما كون الأرض حِواء للأموات في بطنها فقد تحقق ذلك -أيضا- بلطف الله وفضله عندما بدء الخليقة إذ اختار قابيل في ما يفعله نافيه القتيل هابيل إذ بعث الله غرابا ليريه كيف يواري سوأة أخيه، فكم تحتوي الأرض اليوم من تلك الأجسام البالية منذ أقدم العصور، وقد غير أبو العلاء المعرّي عن تلك الظّاهرة فقال:
صاح، هذى قبورنا تملأ الر … حب فأين القبور من عهد عاد؟
خفف الوطء ما أظن … أديم الأرض إلا من هذه الأجساد
ربّ لحد قد صار لحدا مرارا … ضاحك من تزاحم الأضداد