سورة المرسلات
الجزء ١٩ · صفحة ٢٩١الخطاب موجّه للمكذبين بيوم الدّين وهم في موقف الحساب الأخرويّ وقد تمّ الفصل في شأنهم فتأمرهم ملائكة العذاب بالانطلاق إلى العذاب الذي كانوا يكذبون به في الدّنيا، وقد عرض المشهد بصيغة الخطاب كأنه واقع الآن ليكون أوقع تأثيرا على والتّعبير بالانطلاق للدلالة على الإسراع في الذّهاب مقهورين إلى نزلهم في قعر جهنم حيث الدّخان الكثيف وجاء التّعبير عنه بالظّل تهكما إذ هو لا يظل من تحته فيقيه شدة الحرّ، ولا هو يقيه من لهب النّار المتأجج من كل جانب والذي يتشعب إلى ثلاث شعب يتطاير منه الشّرر كالقصر، وهو البناء الشّامخ، أو هو كل بيت من حجر مطلقا كما كان العرب يطلقونه على ذلك وهو في تتابعه وحركته ولونه مثل الجمال الصّفر ترتع فتنشره ولا يكون الشّرر بذلك الحجم إلا وهو يتطلق من نار ضخمة، وقد روعي في هذا التّشبيه البيئة العربية المألوفة لدلا المخاطبين، وأنه لمشهد مهول يقتضي التّعقيب بقوله تعالى: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ): وفي التّشبيه بالجمال الصّفر تهكّم واضح بأولئك المغرورين بكرائم أموالهم من الإبل الدهم والحمر ماذا يجدون شبيها بها في نار جهنم.
(هَذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ* وَلاَ يُوذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ* وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ): إن الهول الشّديد يعتقل الألسن فلا تفصح عن مرادها، فهم في حيرة ووجوهم، ولا يأذن الله لهم فيعتذرون عن أخطائهم بعد أن قامت عليهم الحجة فاختاروا سبيل الضّلال، بل يقال لهم: (لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمُ) (التّوبة: 66). فليس المراد بأنهم يكونون حتما لا ينطقون بل تدلّ النّصوص الأخرى بأنهم يحاولون الدّفاع عن أنفسهم بكل ما يلفقونه من أكاديب ولكنهم في موقف العدل الإلاهي يمنعون من الباطل والكذب ويقوم من جوارحهم وألسنتهم شهود عليهم فليس لهم حجة وليس لهم عذر، بل الوبل لهم بما كذبوا من قبل، فيوم القيامة هو يوم الفصل والجزاء.