نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة البُروج

الجزء ١ · صفحة ١٢٤

بعد ذكر الوعيد للذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات وذكر وعد الذين آمنوا وعملوا الصّالحات جاء التّأكيد على جزاء كل فريق بما يدلّ على قدرة الله على ذلك وجلال سلطانه وكمال إرادته في تدبير شؤون الكون، ثم استدلّ على ذلك ببطشته على فرعون وثمود لبيان أن حال الكفار في كل عصر متشابهة في إلحاق الأذى بالمؤمنين، ترهيبا لكفار قريش وتثبيتا للمؤمنين، ثم نوّه بشأن القرآن وأنه مصون محفوظ فقال تعالى: (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ، اِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ، وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ، ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ، فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ).

نحن بإزاء مجموعة من أسماء الله الحسنى كل منها لها دلالتها في تعظيم شأن الله وتمجيده ولكنها بالنّظر إلى ما سبقها من وعد ووعيد مما يتعلق بجزاء مخلوقاته ولما كان حادث أصحاب الأخدود هو المذكور في أول السّورة ناسب أن يرتّب عليه الوعيد في حكم عام للذين يفتنون المؤمنين في كل زمان ومكان، ثم يأتي التّعليل لمضمون تلك الجملة بقوله هنا: (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ، اِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ).

البطش هو الأخذ بشدة وعنف وإضافته إلى كلمة: (رَبِّكَ) بكاف الخطاب لرسول الله فيه إيناس وتثبيت، ومن خلال الرّسول هو خطاب لكل من يتدبّر القرآن، وبطش الله بالمجرمين يشمل تعذيبهم في الدّنيا والآخرة وذلك ما يؤكده قوله: (اِنَّهُ هُو يُبْدِئُ وَيُعِيدُ)، وحذف المفعولية لإفادة العموم، فيشمل بدأ الخلق وإعادته، أي للحياتين الأولى والأخرى، كما يشمل تعاقب الأجيال في الدّنيا وتداول الأيام بينها، فكم لله من بدء وإعادة في أطوار حياة خلقه وفي كل لحظة.

٦٬٣٠٣ / ٦٬٧٦٧