نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة التّكاثر

الجزء ١ · صفحة ٢٤٤

والمشهد الثّاني هو قوله تعالى: (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ)، خصّص الله بالذّكر الجبال؛ لأنها من أعظم المظاهر الطّبيعية وأرسخها على وجه الأرض ويضرب بها المثل في الثّبات والشّموخ، فشبهها الله في تصدّعها وتفتتها يومئذ بالعهن المنفوش، أي الصّوف المندوف الذي تفرقت أجزاؤه للغزل أو الحشو، ويلاحظ فيها تعدّد الألوان. وقد تعدّدت في القرآن وصف صيرورة الجبال يوم القيامة، وهي محل التّساؤل من الكفار، وذكر تشبيهها إلى جانب تشبيه حال النّاس يومئذ هو لإبراز شدة الهول يومئذ، وإلا فما حجم الإنسان في ضآلته وضعفه أمام صلابة الجبال وضخامتها؟.

وتأتي في خاتمة السّورة بيان التّقييم لأخوال النّاس وتقرير جزائهم العادل: (فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ، فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ، وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ، فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ، وَمَآ أَدْرَاكَ مَاهِيَهْ، نَارٌ حَامِيَةٌ).

ميزان التّقييم عند الله هو حصيلة ما قدّمه الإنسان من أعمال، إمّا أن تكون حسنات ومبرات وفق ما كلّفه الله به ثقلت بها كفّته فرجحت عن كفة السّيئات، فهو من السّعداء النّاجين إلى عيشة راضية في جنات النّعيم، وإمّا أن يكون قد ركب هواه في دنياه فخفّت كفّة حسناته برجحان كفّة السّيئات فهو من الأشقياء الهالكين، وجاء التّعبير بقوله تعالى: (فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ)؛ لأن الأمّ هي حضن ومفزع الولد يأوي إليها ليجد الأمن والأمان، ولكن الشّقي أمّه هي الهاوية، أي الهّوة السّحيقة في قعر جهنم -والعياذ بالله-.

وأعقبها استفهام التّهويل: (وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ)، فسّره بقوله: (نَارٌ حَامِيَةٌ)، ووصفها بذلك لبيان شدّتها وعدم مقارنتها بنار الدّنيا.

والله أعلم.

سورة التّكاثر مكيّة، وآياتها 08

- بين يدي السّورة الكريمة:

٦٬٤٢٣ / ٦٬٧٦٧