سورة الماعون
الجزء ١ · صفحة ٢٧١ولذلك جاء تذكيرهم بلطف في آخر السّورة بنعمتين من نعم الله الكثيرة عليهم ليفردوه بالعبادة إذ هو ربّ ذلك البيت الذي أصبح الضمان المقدسّ لحياتهم الهنية فقال تعالى: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ)، جاء الأمر الإلهي مرتبطا بالتّاء لأن ما قبلها مؤذن بقوة الشّرط -كما تقدم-، واختيار صفة الرّبوبية للذات العلية للدلالة على حسن الرّعاية والإشفاق عليهم، وإضافتها إلى البيت هي للتّشريف والتّعظيم، ثم يأتي النعت تذكيرا لهم بنعمتي الشّبع والأمن، وهما الرّكيزتان الأساسيتان في ازدهار العمران وتقدّم الحضارات، فهما متلازمتان في دفع الضرّ وجلب النّفع، والله تعالى وحده هو الباسط الموفّر لتينك النّعمتين، ولو لم تتمتع قريش إلاّ بهما لكفى أن يكون ذلك دافعا لهم لعبادة الله وحده لا شريك له، فكيف بالنّعم الأخرى التي لم يذكرها، والنّعمة قيدها الشّكر المخلص للمنعم: (لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمُ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (إبراهيم:7).
وقد بعث رسول الله من قريش ومن نسل هاشم بن عبد مناف، وكان ما كان بينه وبين قومه، وهم لا يتذكرون ما هم فيه من نعم، بل أخذهم غرور الغنى والقوة والجاه، فلم يذوقوا طعم الجوع حتى دعا عليهم رسول الله في أيامه الأولى من هجرته إلى المدينة إذ قال: «اللّهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف»(1)، فأصابتهم المجاعة حتى أكلوا الجيف، فبعثوا إليه يستعطفونه ليرفع الله عنهم ذلك ووعدوه بأنهم يسلمون، ولكنهم نكثوا عهدهم كبني إسرائيل مع موسى، ولله في خلقه شؤون.
والله أعلم.
سورة الماعون مكيّة، وآياتها 07
- بين يدي السّورة الكريمة:
(1) - رواه البخاري من حديث أبي هريرة، كتاب الاستسقاء، باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اجعلها عليهم سنين كسني يوسف»، رقم 1006.