38
الجزء ١ · صفحة ٢٧٢ويرجح الشرطية الفاء بعدها ، لأن أصله أن تكون بعدها لا بعد الموصولة ، وكونها بعد الموصولة فرع وخلاف الأصل ، وما هو إلا لشبهها بالشرطية . وأما التعبير فى مقابل هذا الكلام بالموصول ، إذ قال : ﴿ والذين كفروا وكذبو بآياتنا . . . ﴾ إلخ . فإنه ولو كان فيه تقوية للموصول لكن أصالة الفاء فى الجواب لا يقاومها التعبير بالموصول فى نظير تلك الجملة ، فأنت خبير بها فى تريجح أبى حيان فى البحر الموصولية بالتعبير بذلك الموصول فى الجملة الأخرى .
﴿ هُدىً ﴾ : وقرئ هدى بقلب ألفه هداى ياء وإدغام الياء فى الياء ، وهو لغة هذيل فى المقصور المضاف للياء ، وأعاد ذكر لفظ الهدى ظاهراً لا ضميرا ليضيفه للياء فتفيد إضافته إليه تعالى تقوية ، كونه هدى وتشريفه وللتأكيد والتعظيم ، فإن من نكت إماقة الظاهر مقام المضمر التأكيد والتعظيم ، هكذا ظهر لى ، ثم رأيت زكريا ذكر بعضه وقال القاضى أعاد لفظ ﴿ هُدىً ﴾ لأنه أراد بالثانى أعم من الأول ، وهو ما أتى به الرسل ، واقتضاه العقل ، أى فمن تبع ما أتاه مراعاً ما يشهد به العقل .
﴿ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ : فى الدنيا : من أن يحل بهم مكروه من الله ، كنار وصيحة ومسه وإغراق ، كما يحل بمن شاء الله ممن لم يتبع الهدى .
﴿ ولاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ : فيها ، عن فوات شئ منها لحقارتها فى عيونهم لاتباعهم هداى ، أو لا خوف عليهم فى الآخرة من النار وسخط الله وغضبه ، ولا هم يحزنون فيها عن فوات محبوب ، لأن كل ما يحبونه فيها لا يفوتهم ، ولا يفوتهم ثواب أعمالهم ، ولا ما يريده الله من الخير ، فإن الخوف على المتوقع ، والحزن على الواقع ، لا يتوقعون مكروها ، ولا يحزنون على واقع ، لعدم وقوع ما يحزنهم ، وقد يطلق الحزن فى الخوف ، وقيل : لا خوف عليهم فى الدنيا بما يستقبل من الآخرة ، ولا هم يحزنون فى الآخرة عما فاتهم من الدنيا . واقتصر الطبرى ومختصره على الاحتمال الثانى . ورجحه بعض ، وبه قال ابن أبى زيد ، قالوا وليس شئ أعظم في صدر من يموت مما بعد الموت ، فآمنهم الله سبحانه وتعالى وسلاهم عن الدنيا ، وقرأ الجحدرى : فلا خوف عليهم [ بفتح الفاء ] .