هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

59

الجزء ١ · صفحة ٣٢٥

﴿ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ : منهم أنفسهم بالمعصية فيما أمروا ولبسوا كلهم ظالمين .

﴿ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ ﴾ : فنطقوا بألفاظ تقارب ألفاظ ما أمروا به معنى ولفظاً ، أو معنى فقط استهزاء إذ كان المعنى مخالفاً ، وفعلوا فعلا يشبه ما أمروا به وليس به استهزاء ، روى البخارى ومسلم عن أبى هريرة عن رسول الله A : قيل لبنى إسرائيل ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة ، فدخلوا يزحفون على استاههم ، يعنى مقاعدهم ، وقالوا : حبة فى شعيرة يعنى حبة بر مع حبة شعير ، كمن يطلب البر والشعير ، وإنما قالوا ذلك استهزاء ، وفى رواية لهما حبة فى شعرة فى شعرة يعنون فى شعيرة أو يعنون حبة بر مربوطة فى الشعرة التي تنبت على الحيوان ، وروى الحاكم حنطة فى شعيرة ، قال الكلبى : لما فصلت بنو إسرائيل من أرض التيه ودخلوا وكانوا بجبال أريحاء من الأردن قيل لهم ادخلوا القرية فكانوا منها حيث شئتم رغدا ، فكانت بنو إسرائيل قد خطئوا خطيئة فأحب الله أن يستنقذهم منها إن تابوا ، فقيل لهم : إذا انتهيتم إلى باب القرية فاسجدوا وقولوا حطة تحط عنكم خطاياكم ، وسنزيد المحسنين الذين لم يكونوا من أهل تلك الخطيئة إحساناً إلى إحسانهم ، فأما المحسنون ففعلوا ما أمروا به ، وأما الذين ظلموا فبدلوا قولا غير الذى قيل لهم فقالوا : ( حطا سمقاتا بالسريانية ) أى حنطة حمراء استهزاء وتبديلا ، من كان محساً زيد فى إحسانه ومن كان خاطئاً غفرت له خطيئته ، وقيل : لم يقولوا ذلك استهزاء بل رغبوا فى طلب ما يشتهون من أغراض الدنيا ، وذكر بعضهم ازدحموا على أوراكهم خلافاً لأمر الله سبحانه ، وعن الحسن : رفع لهم باب فأمروا أن يسجدوا لله ويضعوا جباههم ويقولوا حطة ، فدخلوا وقد حرفوا وجوههم ولم يسجدوا على الجبهة ، وقيل : طوطى لهم الباب ليخفضوا رءوسهم فلم يخفضوها ودخلوا متزحفين على أوراكهم ، وقيل : قالوا بالنبطية ( حطا سمقاتا ) أى حنطة حمراء ، وروى فى الحديث أنهم قالوا حبة شعيرة ، ويروى عن ابن مسعود أنهم أمروا جود وأن يقولوا حطة فدخلوا يزحفون على استاههم ويقولون حنطة حبة حمراء فى شعيرة ، وروى أنهم دخلوا من قبل أدبارهم القهقراء ، وقيل قالوا حنطة حمراء فى شفرة ، وقيل شعيرة . وحكى الطبرى أنهم قالوا : ( هطى سمقاتا ازبه ) أى حنطة حمراء . وعن مجاهد : طوطى لهم الباب ليسجدوا فلم يسجدوا ، ودخلوا على أدبارهم وقالوا حنطة ، وقيل قالوا : ( هطانا سمقاتا ) أى حنطة حمراء ، وقيل أيضاً عن مجاهد : رفع لهم جبل ليسجدوا عند دخول الباب لما أبوا فسجدوا بشق وجوهوههم ناظرين إليه بالعين الأخرى ، فترى صلاة اليهود إلى اليوم كذلك .

﴿ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ : بترك السجود عند الدخول ، وترك قول الحطة وهم هؤلاء الذين بدلوا قولا غير الذى قيل لهم ، ومقتضى الظاهر أن ( فأنزلنا عليهم ) ولكن وضع الظاهر موضع المضمر ليصفهم مرة ثانية وصف الظلم مبالغة فى تقبيح شأنهم ، وليشعر بأن إنزال الرجز عليهم إنما هو لظلمهم إشعاراً زيد على الإشعار الذى أشعرته الفاء السببية ، وذلك لأن تعليق الحكم بالموصول يؤذن بعليته ، وقد صرح بأن ذلك الظلم هو السبب بقوله : ﴿ بما كانوا يفسقون ﴾ فإن هذا الفسق هو ذلك الظلم أو وضع الظاهر موضع المضمر ليكون أدل على أجسامهم التى عرضوها للهلاك بترك ما أمروا به أو لذلك كله ، وعبر فى الأعراف بالضمير إذ قال :

٣٢٥ / ٧٬٦٨٠