4
الجزء ٦ · صفحة ٣٣٠﴿ وفى الأرْض قِطعٌ ﴾ من الأرض ، وهذه الظرفية عام لخاص ، كقولك فى الأيام : أيام قصار ، ولك أن تجعل فى بمعنى من ﴿ مُتجاوراتٌ ﴾ متلاصقات ، ومع تجاورها واتحاد جنسها ووضعها ، قد اختلفت طبائعها وألوانها ، فمنها طيبة تنبت ، وسبخة لا تنبت ، وصلبة ، ورخوة ، وبيضاء ، وحمراء ، وسوداء ، وصفراء ، وصالحة للزرع دون الشجر ، وصالحة للشجر دون الرزع ، وصالحة لنوع من الزررع دون الآخر ، أو لنوع من الشجر دون الآخر ، وصالحة للكل ، ولولا تخصيص قادر لاشتركت القطع فى اللون والطبيعة ، فيكون تأثير الماء والهواء والحرارة والبرودة فيهن على حد سواء ، وذلك قول مجاهد .
وقال قتادة : القطع المتجاورة القرى ، والأول أصح وأوضح عبرة ، وهو قول ابن عباس ، وفى بعض المصاحف : وفى الأرض قطعا متجاورا بالنصب ، أى وجعل فى الأرض إلى آخره .
﴿ وجنَّاتٌ ﴾ أى بساتين سميت لأنها تجن الأرض أى تسترها بأشجارها ﴿ مِنْ أعْنابٍ ﴾ جمع عنب بمعنى شجرة العنب ، فالعنب يطلق على نفس هذه الشجرة ، وعلى ثمرها ﴿ زَرعٌ ﴾ أفرد لأنه فى الأصل مصدر ، فبقى بعد خروجه عن معنى المصدرية على صلاحيته القليل والكثير ﴿ ونَخيلٌ ﴾ جمع نخلة كعبج وعبيد ، وقيل : فيما وازنهما أنه اسم جمع ، وقال ابن مالك : ما ذكر من ذلك فهو جمع تكسير ، وما أنث فاسم جمع ، وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، ويعقوب ، وحفص برفع زرع ونخيل عطفا على جنات ، وما بعد هذا تابع له على القراءتين فى إعرابه .
﴿ صِنْوانٌ ﴾ قال البراء ابن عازب : الصنوان المجتمع ، يعنى أن يجمعهن أصل واحد ، والمنفرد صنو ﴿ وغيرُ صِنوانٍ ﴾ أى مفترقات الأصول ، وقرأ حفص بضم الصادين وهو لغة تميم ، وقيس ، والكسر لغة الحجازيين ، وخص على الصنوان لأنها بمثابة القطع فى التجاوز ، تظهر فيها غرابة اختلاف الأكل ، بل هى أغرب من القطع لاتحاد الأصل وقد يصلق الصنو على المقارنين مطلقا ، قال A : « العم صنو الأب » وقال فى عمه العباس رضى الله عنه : « إنه صنو أبى » .
﴿ تُسْقَى ﴾ أى الجنات وما فيها وقرأ ابن عامر ، وعاصم ، ويعقوب بالمثناة التحتية أى يسقى ما ذكر ﴿ بماءٍ واحدٍ ﴾ ماء السماء ، وكل ماء فى الأرض فمن السماء ، وكله عذب وملوحة ، بعضه لملوحة مجراه ، وعن ابن مسعود : كل النخيل ينبت فى مستنقع الماء إلا العجوة فمن الجنة ، والماء جسم رقيق مائع به حياة كل نامٍ ، وقيل : جوهر سيَّال به قوام الأرواح والألوان له ، ويتلون بلون الإناء أو لونه بياض أو سواد أقوال .
﴿ ونُفصِّل بعضَها على بعضٍ فى الأكلِ ﴾ بضم الهمزة وهو المأكول وهو الثمار فبعضها كبير من بعض ، وبعضها أحلى من بعض ، وبعضها أشد رائحة ، وبعضها قوى ، فاختلافها قادر مريدا أخرج الترمذى ، وحسنه الحاكم وصححه عن أبى هريرة ، عن النبى A فى قوله : ﴿ ونفصل بعضها على بعض فى الأكل ﴾ قال الدقل ، والفارسى : الحلو والحامض ، قال الترمذى : هو غريب ، وتضمنت الآية مثالا للمؤمن والكافر ، أصلهما واحد وهو آدم ، أو الطيبة صاروا أفرادا كالقطع والوحى واحد ، آمن بعض وكفر بعض ، ورق قلب وقسا قلب .