16
الجزء ٦ · صفحة ٣٥٥﴿ قلْ ﴾ يا محمد لكفار قومك ﴿ مَنْ ربُّ السَّموات والأرضِ ﴾ مالكهما ومدبرهما ﴿ قُلِ الله ﴾ أى ربهما الله ، لما لم يكن لهم بد من هذا الجواب أمره أن يذكره لأنه ظاهر لا يمكن أن يجادلوا فيه فلا يترقب أن يذكروه لعدم الحاجة إلى انتظاره أن يذكروه ، مع أن الثابت فى قلوبهم وألسنتهم يذكرونه قبل وبعد .
وإن قلت : فما فائدة الأمر بالسؤال والأمر بالجواب أعنى قوله : ﴿ قل الله ﴾ ؟
قلت : فائدته استحاضر ما هو الواقع فى نفس من أنه لا رب سواه للتأكيد ، وليرتب عليه ، واستبشاع اتخاذ أولياء من دونه ، غيره ما لكين ضرا ولا نفعا ، أو المراد قل : الله إذا قالوا : الله ، كما تذكر جواب المجيب تثبيتا واستيثاقا ، لتتمكن من الرد عليه فضل تمكن ، أو المراد قل لهم : الله إن سكنوا عندا واستكبارا ، عما ترد عليهم ، فإنه لا جواب لهم سوى ذلك ، فربما يذكرونه إذا ذكرته .
وقيل : لما قال لهم : من رب السموات والأرض؟ قالوا : أجب أنت ، فأمره الله تعالى أن يجيبهم بأن ربهم الله ، وأمره أن يلزمهم الحجة بقوله :
﴿ قل ﴾ لهم ﴿ أفاتَّخذتُم مِن دُونهِ ﴾ أى من دون الله ﴿ أولياءَ ﴾ أنصار وهم الأوثان ، وإنما سماها أنصارا على زعمهم ، والعطف على محذوف أى أعلمتم أن ربهم الله فاتخذتم من دونه أولياء .
﴿ لا يمْلِكُون ﴾ عبر عن الأوثاء بما يعبر به عن العقلاء ، لوصفهم لها بوصف العقلاء وهو النصر ﴿ لأنفسهم نفعاً ولا ضَرّاً ﴾ أى ولا دفع ضر ، فضلا عن أن ينفعوا غيرهم أو يضروه ، وهذا دليل ثانٍ على فساد رأيهم ، وعلى ضلالهم إذا استنصروا من لا ينصر نفسه ، ولا نفعها ولا يدفع عنها ضرّاً ، ولا يرى ولا يسمع ولا يعلم ، وهذا أمر مستبشع غاية الاستبشاع ، وذلك قرن الكلام بهمزة الاستفهام التوبيخى الدال على أن العقل يكر ذلك ، والدليل الأول هو قوله : ﴿ وهو شديد المحال * له دعوة الحق ﴾ ثم ضرب الله مثلا بقوله : ﴿ قلْ هَلْ يسْتَوى ﴾ توبيخ على ادعاء الاستواء وانكارا لصحته كالاستفهام المذكور ﴿ الأعْمى ﴾ المشرك الجاهل بحقيقة العبادة وبمن يستحقها ، بم تستحق ﴿ والبَصيرُ ﴾ الموحد العالم بذلك كله ، هذا تفسير ابن عباس بزيادة عليه ، شبه المشرك بالأعمى فى كونه لا يهتدى إلى مصالحه ، ولا يستطيع التحرز عن المهالك ، والموحد بالبصير المهتدى لذلك المتحزر عما يهلكه ، ويجوز أن يراد بالأعمى الصنم ، فإنه لا يهتدى لذلك ولا يتحرز عما يهلكه ، ولا يرى ولا يسمع ولا يعلم شيئا من عبادتهم إياه ولا غيرها ، ولا يحيى ولا يرزق ، ولا ياقب ولا يثيب ، ولا يخلق ، وبالبصير الله ، فإنه الغنى عن سواه ، المحتاج إليه من عداه ، الخالق الرازق ، المعاقب المثيب ، العالم بالأوقال والأفعال والأحوال .
﴿ أمْ ﴾ بمعنى بل التى للانتقال ﴿ هَلْ تَسْتوى ﴾ وقرأ حمزة ، والكسائى ، وأبو بكر بالمثناة التحتية ﴿ الظُّلماتُ ﴾ أراد الشرك ﴿ والنورُ ﴾ يعنى الإيمان ، شبه الشرك بالظلمة فى عدم الاهتداء عن الهلاك إلى المصالح ، والإيمان بالنور فى الاهتداء عنه إليها ، ويجوز أن يراد بالأعمى والبصير من لا عين له باصرة ، ومن هو باصر ، فإنهما لا يستويان ، فكذلك لا يستويى المشرك والموحد ، وبالظلمات والنور ظاهرهما أيضا ، فإنهما لا يستويان ، فكذلك لا ييستوى الشرك والإيمان .