5
الجزء ٦ · صفحة ٣٣٢﴿ وإنْ تَعْجبْ ﴾ يا محمد من تكذيبهم إياك بعد أن سموك الصادق الأمين ، وعرفوك بالصدق والأمانة ، أو من إنكارهم البعث مع إقرارهم بأن الخالق الله ، وقد تقرر فى النفوس أن البدء أصعب من الإعادة ، ولو كانا سواء عند الله تعالى وأمراً هينا .
﴿ فعَجبٌ ﴾ خبر مقدم ﴿ قَولُهم ﴾ أى قول قومك المنكرين للبعث مبتدأ ، أى فقولهم عجب أى حقيق بأن تتعجب منه ، لاتضاح دلائل رسالتك ، ودلائل البعث من إخبارك إياهم بالغوب بلا دراسة كتب ، ولا سماع ولا مشاهدة ، وإجراء معجزة على يديك ، ومن إنشاء السموات وورفعها ، والأرض والعرش ، وما فى ذلك ، والقطع المتجاورات ، والزرع والشجر ، والثمرات المختلفة ، مع اتحاد الماء ، وكون الكل من التراب ، فإن إنشاء ذلك فى النفوس أصعب من إعادة ميت بعد إنشائه ، وإماتته ، ودليل على كمال العلم والقدرة فى كل شئ ، والإشكال فى ذلك .
فإذن المراد إن أعجبك واقع موقعه وصادف [ محله ] ولم يكن تعجبا مما لم يتعجب منه كقولك : إن تعجبت من قيام زيد فقيامه عجب ، أى فتعجبك صادف محل التعجب ، وعلى قبول الأشياء التى تمد منها بقدرته أشياء أخرى لأنواع تصرفاته ، وقيل : إن تعجب من اتخاذهم ما لا يضر ولا ينفع آلهة مع إقرارهم بأن الخالق الرازق النافع الضار الله ، فقولهم حقيق بأن تتعجب منه ، كأنه قيل : إن تعجب من ذلك فليس الأمر العجيب منهم ببدع ، فإن قولهم بإنكار البعث عجب عظيم ، والعجب على كل حال مصورف إلى المخلوق ، لأنه حالة تعرش للإنسان عند الجهل بسبب الشئ ، والله سبحانه لا يخفى عنه شئ ويطلق العجب على نفس المر المستبعد فى العادة وعلى نفس الأمر الذى لا يعرف له سبب ، وقال بعض شراح الهمزية : هو الأمر المستغرب الخارج عن قياس المعقول .
﴿ أئِذَا ﴾ بتحقيق الهمزة الأولى وهى للاستفهام الإنكارى ، وتسهيل الثانية بلا إدخال ألف بينهما ، أو بإدخالها ، أو بتحقيق الهمزتين بلا إدخالها أو به ، وكذا فى قوله : ﴿ أئنا ﴾ وقرئ بهمزة واحدة مكسورة هنا ، وبالهمزتين فى قوله : ﴿ أئنا ﴾ وقرئ بالعكس ، وجواب إذا محذوف دل عليه ﴿ أئنا لفى خلق جديد ﴾ وإذا وشرطها وجوابها ودليله بدل من القول ، أو يان له أنه بمعنى الموقل ، ومفعول به على أنه باق على المعنى المصدرى ، وقوله : ﴿ أئنا لفى خلق جديد ﴾ فى نية التقديم على إذا ، ويقدر الجواب منه مقرونا بالفاء بدون استفهام أو به ، أو يقدر مضارعا من البعث .
﴿ كُنَّا تُراباً أئنا لَفِى خَلقٍ جَديدٍ ﴾ بالبعث غير الخلق الأول ﴿ أولئكَ الَّذين كفَروا بربِّهم ﴾ أى بقدرته على البعث ، أى هؤلاء البعداء من مظان الخير هم الكاملون فى الكفر بالبعث ﴿ أولئك الإْغلالُ فى أعناقِهِم ﴾ أى ثابتة فى أعناقهم يوم القيامة ، وهذا الوصف الذى قدرت للاستقبال ، ويقدر المضارع أى تثبيت فى أعناقهم ، أو يقدر الوصف أو المضارع للحال ، ويقدر الماضى تنزيلا للمستقبل منزلة الحاضر الواقع لتحقق الوقوع ، وتهويلا للأمر ، وذلك عبارة عن خذلانهم وإصرارهم ، أى لا يتخلصون من الكفر إلى الإيمان ، كما لا يجد المغلول التصرف ، وهذا باختبارهم الكفر المانع للهدى ، أو عبارة عن ذلهم يوم القيامة ، وكناية عنه سواء اعتبرته قبل تقييدهم فى ذلك اليوم بالأغلال وبعده ، والغل طوق من حديد يجعل فى العنق ، وتضم إليه اليد أو اليدان ، أو فى اليدين أو نحو ذلك .