15
الجزء ٦ · صفحة ٣٥٣﴿ وللّهِ ﴾ لا لغيره ﴿ يسْجدُ ﴾ حقيقة سجود ﴿ مَنْ فى السَّموات ﴾ من الملائكة ﴿ والأرضِ ﴾ منهم ومن الإنس والجن ﴿ طوعا ﴾ حال الشدة والرخاء من الملائكة ومؤمنى الإنس والجن ومنافقيهما ، بغير إسرار الشرك ﴿ وكَرْهاً ﴾ حال الشدة من مشركيها ومنافقيها بإسرار الشرك أو بغيره ، كالموحد الذى لا يصلى إلا خوفا ، ولا يقع من الملائكة عصيان ، وزعم بعض أن عامتهم قد تعصى دون الخاصة وهو خطأ .
فإن قلت : سجود المنافق المسر للشرك ظاهر ، فإنه يسجد خوفا ، فما سجود المشرك كرها؟
قلت : هو أن يشتد به أمر فيلتجئ إلى الله ، ويكشف عنه .
وإن قلت : فما سجود المشرك المنكر لله؟
قلت : لا سجود له ، وليس مراداً فى الآية ، وإن شئت فقل : المراد فى السجود الانقياد فلا يخرج عن الآية شىء ، لأن أجسام المؤمن والمنافق والمشرك بالمساواة أو بالجحود ، أو بخصله كلها لا تمتنع مما أراد الله فيها من تصرف كإمراض وإنحال ، وإسمان وترقيق وتغليظ ، وتبييض وتسويد ، وغير ذلك ، ولأن الجسم مقربا لله وطائع له ، ولو كفر القلب وعصاه ، واستعمل الجسم فى المعصية ، ولا يقال : لو كان كذلك لكان تعذيب الجسم جورا ، تعالى الله عنه .
لأنا نقول : إنما يتألم القلب ويتوجع دونه ، ألا ترى أن المسكر لا يتوجع بما تفعله به حال السكر ، كذا ظهر لى ، وإن شئت فقل : المراد بالسجود مطلق الخضوع والانقياد ، فيتصور من بعض بالسجود على الأرض ونحوها ، وبغيره ، ومن بعض بغيره ، من عدم الامتناع مما يتصرف فيه الله .
ويجوز أن يراد بمن العاقل وغيره ، على أن السجود مطلق الخضوع والانقياد كما مر آنفا ، وطوعا حال على التأويل بالوصف ، أى طائعين وكارهين ، أو بتقدير مضاف أى ذوى طوع وذوى كره ، أو مفعول مطلق بحال محذوفة ، أو يطوعون طوعا ، وكارهين أو يكرهون كرها ، ويجوز التقدير بالإفراد فى ذلك كله نظرا إلى لفظ من ، أو مفعول مطلق على حذف مضاف ، أى سجود طوع وسجود كره ، أو مفعول لأجله ألى للطوع والكره .
﴿ وظِلالُهم ﴾ معطوف على مَنْ وهو جمع ظل ، ومعنى سجود الظل انقياده بتصريف الله جل جلاله فيه بالمد والقصر ، بحسب ارتفاع الشمس وانخفاضها بإذن الله ، أو معنى سجوده تبعه الذات ، أو مطلق الخضوع الشامل كله .
وقال ابن الأنبارى : لا يبعد أن يكون قد خلق الله للظل عقلا يسجد به ، ولو كان الظل عرضا ، وإن قلت هل يسجد ظل الكافر طوعا أو كرها .
قلت : طوعا كظل المؤمن كما ذكره الزجاج قائلا إن الكافر إذا سجد لغير الله سجد ظله لله ، وعن مجاهد أنه يسجد كرها وهو مشكل ، لأنه يقتضى كفر ذلك الظل وهو غير مكلف .
﴿ بالغُدوِّ ﴾ أى فى الغدو وهو جمع غداة كفتى وفتاة ، إلا أن نون فتى مكسورة بعد قلب واو فعول ياء ، لئلا تقلب الياء المشددة واوا ، ودال الغدو مضمومة باقية على الضم لمناسبة الواو ، وأصله غدو ، وأدغمت الواو فى الواو ، والغدات أول النهار من طلوع الشمس ، وقيل : إلى نصف النهار ، وقيل : الغدو مفرد بمعنى الغداة ، وقيل : مصدر أى فى وقت الغدو .