هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

35

الجزء ٦ · صفحة ٣٨٣

﴿ مثَلُ الجنَّة ﴾ أى صفتها العجيبة البالغة مبلغا يضرب بها المثل فى الغرابة ، وهو مبتدأ خبره محذوف عند سيبويه ، أى مما قصصنا عليك ، أو فيما ققصنا عليك ، أو خبر لمحذوف ، أى هذا مثل الجنة أشير إليه قبل ذكره تعظيما له ، وتنبيها وإيقاظا لمن يصغى إليه ، وقيل : مبتدأ خبره تجرى الخ ولم يحتج لأنه نفس المبتدأ ، فإن جريان الأنهار من تحتها ، وما ذكر بعدهما نفس المثل ، وتقدير موصوف أى جنة تجرى تمثيلا لما غاب بما نشاهد ، لكن بزيادة قيد دوام الأكل والظل لو دام فى ما نشاهده ، وعلى زيادة مثل وهذا فى مذهب مجيز زيادة الأسماء ، ونسبه فى الآية بعضهم لسيبويه ، والمشهور أنه مذهب الكوفيين ، والمانع يئول ما تعين للزيادة بأنه نار فلا يحمل الآية عليه وعلى الزيادة ، فكأنه قيل الجنة .

﴿ الَّتى وُعدَ المتقُون ﴾ على اتقاهم ﴿ تَجْرى مِنْ تَحْتها الأنهارُ ﴾ وإذ لم تجعل جملة ، وتجرى خبرا ، ولا نعت الخبر كانت مستأنفة أو حالا من رابط الصلة المحذوف ، أى التى وعدها المتقون جارية أنهارها من تحتها ، على أن الوعد فى كتب الله ، وأن الجنة مخلوقة اليوم .

وإن قلنا : المراد بالوعد الوعد الأزلى ، أو أنها ستخلف ، فالحال مقدرة ، والمتقون نائب الفاعل ، وها مفعول ثان يقدر مقدما على النائب ، وقرأ على أمثال الجنة بالجمع أى صفتها .

وروى عن رسول الله A : « أن أنهار الجنة من ماء وعسل ولبن وخمر ، تجرى فى غير شق فى الأرض ، ولا بناء ، ويصعد الماء فى جريانه عن الأرض اثنى عشر ذراعا »

﴿ أكُلها ﴾ أى المأكول فيها وهو الفواكه والثمار ، أو جميع ما يؤكل فيها ﴿ دائمٌ ﴾ لا ينقطع ولا يفنى ، ولا يختص بحين دون حين .

روى أن ولى الله إذا تناول ثمرة لم تصل فاه إلا وقد بدر الله سبحانه مكانها أخرى ، والجذع من ذهب ، وستعفها حلل ، وكربها زبرجد أخضر ، وشماريخها در أبيض ، وطول العرجون اثنا عشر ذراعا ، مركب من أعلاه إلى أسفله ، ليس لثمره نوى ، أحلى من العسل ، وأبيض من الثلج وألين من الزبد ، والرمانة كالبعير بقتبه .

﴿ وظلُّها ﴾ مبتدأ محذوف الخبر ، أى دائم ، أو كذلك لا تنسخه شمس كما تنسخ الظل فى الدنيا ، إذ لا شمس فى الجنة .

وإن قلت : إذا جعلنا ذلك ذكرا للجنة بصفتها لا إشكال ، وإذا جعلناه تمثيلا بجنة الدنيا أشكل الفهم عنا ، إذ لا جنة فى الدنيا دائمة الأكل والظل؟

قلت : ساغ ذلك على شريطة الدوام ، كأنه قيل : الجنة الموعودة للمتقين كجنة فى الدنيا جارية الأنهار ، دائمة الأكل والظل ، لو دام أكلها وظلها كما مرت الإشارة إليه ، أو قوله : ﴿ أكلها دائم وظلها ﴾ ليس داخل فى التمثيل بجنة الدنيا ، بل يعود إلى جنة الآخرة ، والتحقيق عندى إنما المراد دوام أكل الجنة وظلها بعد دخولهم فيها ، سواء قلنا : إنها مخلوقة اليوم وهو الصحيح لما مر فى مواضعه ، أو قلنا : إنها ستخلق ، وساء قلنا : بفنائها عند قيام الساعة لظاهر قوله :

٢٬٨٨٣ / ٧٬٦٨٠