31
الجزء ٦ · صفحة ٣٧٦﴿ ولَو أنَّ قُرآناً ﴾ أى ولو ثبت فى وقت ما من الأوقات ، أو حال من الأحوال ، أن قرآنا أى قرأ أو مقروءاً ﴿ سُيِّرت به الجبالُ ﴾ عن مواضعها ، والتشديد للتعدية ﴿ أو قُطِّعتْ به الأرضُ ﴾ شقق وفجرت أنهارا كما طلبتم ، أو قطعت بالسير كا طلبتم ، والتشديد للمبالغة .
﴿ أوْ كلِّم بهِ الموْتَى ﴾ فسمعت وأجابت ، وجواب لو محذوف ، أى لكان ذلك هو هذا القرآن الذى يتلوه عليكم محمد ، لأنه الغاية فى الإعجاز ، والتذكير والإنذار ، فالمراد تعظيم شأن القرآن ، ويجوز تقديره هكذا : لما آمنوا به كقوله تعالى : ﴿ ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة ﴾ الآية ، فيكون المراد المبالغة فى عناد الكفرة ، وتصميمهم على الكفر .
وقيل : إن الآية لم تنزل بسبب ذلك ، وعليه فتقطيع الأرض تصييرها متصدعة من خشية الله جل جلاله .
وقال الفراء : جواب لو محذوف ، دليلة : ﴿ هم يكفرون بالرحمن ﴾ فكأنه قيل : وهم يكفرون بالرحمن ، ولو أن قرآنا سيرت به الجبال ، الخ فتقديره لكفروا بالرحمن ، واعترض بين لو ودليل جوابها ، ولا بأس بهذا القول ، ورى مثل قول ابن عباس عن الحسن ، إلا أنه لم يذكر السفر وإحياء الموتى ، ولم يقل كلمة كما قال سيرت وقطعت ، لاشتمال الموتى على المذكر الحقيقى ، فاختير جانب التذكير ، ولو كان التأنيث جائزا بتأويله الجماعة .
﴿ بَلْ ﴾ إضراب عن النفى ، فإن لو للامتناع ، والامتناع نفى ﴿ للّهِ الأمر جَميعاً ﴾ أى القدرة على كل شئ ، فلو شاء لأتى بما اقترحوا من الآيات ، لكنه لم يفعل لأنه قد علم أنه لو فعل لما آمنوا ، ولأنه لم ير مصلحة فى فعله ، ويدل لذلك ذكر الإياس بعد ، أو الأمر كله من الإيمان وكفر وغيرهما مخصوص به ، فلا يؤمن إلا من شاء إيمانه ، ولو أوتوا ما اقترحوا ، والأمر كله الله ، فلو شاء لجبرهم على الإيمان ، لكنه بنى أمر التكليف على الاختيار ، وكل من ذلك مناسب لقوله : ﴿ أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ﴾ بأن تفسير المشيئة على الأخير بمشيئة الإلجاء والجبر ، جميعا حال من ضمير الاستقرار المستكن فى قوله : ﴿ الله ﴾ .
﴿ أفلَم يَيْئس ﴾ ألم يقنط ﴿ الَّذينَ آمنُوا ﴾ من إيمان تلك الكفرة مع ما رأوا من أحوالهم المصممة على الكفر ﴿ أنْ لَوْ يَشَاء الله لهدَى النَّاس جَميعا ﴾ باختبارهم أو بالجبر تعالى عنه ، أو لهداهم بلا آية ، وأن مخففة اسمها ضمير الشأن محذوفا ، ويقدر من خبرها مفعول لمحذوف ، أى أفلم يقنط الذين آمنوا من إيمان هؤلاء ، علما أن لو يشاء الخ ، أو عالمين أو لو يشاء الخ .
قال الكسائى : لما طالب المشركون رسول الله A بالآيات ، اختار المسلمون أن يأتيهم بها ليجتمعوا على الإيمان ، فنزل : ﴿ أفلم ييئس الذين آمنوا ﴾ الخ و ﴿ أن لو يشاء الله ﴾ مفعول لمحذوف أى ويعلموا أن لو يشاء ، فحذف العاطف والمعطوف وبقى مفعول المعطوف انتهى .