30
الجزء ٦ · صفحة ٣٧٤﴿ كَذلكَ أرْسلناكَ ﴾ أى كما أرسلنا رسلا إلى أمم قبلك أرسلناك ﴿ فى أمةٍ قَدْ خَلتْ ﴾ مضت ﴿ مِنْ قَبلها أممٌ ﴾ أرسل الرسل إليهم ، فليس إرسلال بدعا ﴿ عَليهم الذِى أوْحينَا إليكَ ﴾ وهو القرآن ، والهاء فى عليهم للأمة ، قال A : « أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله »
﴿ وهُم ﴾ أى قومك والواو للحال من فاعل فى أرسلناك ﴿ يكْفرونَ بالرَّحْمن ﴾ أى بالله الذى هو المنعم بجلائل النعم ودقائقها ، نعم الدنيا والآخرة ، ومنها : إرساله إياك إليهم ، وإنزال القرآن المتعلقة به منافع الدين والدنيا ، فالمراد بالحرمن الذات الواجب الوجود ، وذلك أنهم كفروا بهذا اسم الذى هو قولك : الرحمن ، والكفر باسم من أسماء الله كفر بالله تعالى .
ويجوز أن يراد بالرحمن فى الآية هذا الاسم ، ويقدر على هذا الوجه مضاف فى قوله : ﴿ هو ربى ﴾ أى هو اسم ربى .
لما صالح رسول الله A قريشا فى الحديبية قال لعلى اكتب : « هذا ما صالح محمد رسول الله » قال سهل بن عمر : إن كنت رسولا لقد ظلمناك ، ولكن اكتب هذا ما صالح عليه ابن عبد الله ، قال المسلمون : دعنا نقاتلهم ، قال : « لا لكن اكتبوا ما يريدون » وكتب : بسم الله الرحمن الرحيم ، فقال : أما الرحمن فلا نعرفه إلا رحمن اليمامة وهو مسيلمة ، ولكن اكتب : باسمك اللهم ، وكانت الجاهلية يكتبون ذلك ، فقالوا : دعنا نقاتلهم ، فقال : « لا لكن اكتبوا ما يريدون » فنزل : ﴿ كذلك أرسلناك فى أمة ﴾ إلى ﴿ وإليه متاب ﴾ فالآية مدنية ، وبه قال مقاتل ، وابن جريج ، وقتادة .
والمعروف أنها مكية ، وأن سببها أن أبا جهل سمع رسول الله A يدعو فى الحجر يا الله ، يا رحمن ، فرجع إلى المشركين فقال : إن محمدا يدعو إليهن اثنين ، يدعو الله ، ويدعو إلها آخر يسمى الرحمن ، ولا نعرف رحمن إلا رحمن اليمامة فنزلت ، وقال الضحاك ، عن ابن عباس : نزلت فى قولهم : وما الرحمن حين قال لهم : ﴿ اسجدوا الرحمن ﴾ ونزل فى ذلك أيضا : ﴿ قل ادعو الله أو ادعو الرحمن ﴾ الآية وكذلك قال الحسن .
﴿ قلْ ﴾ يا محمد ﴿ هْو ربِّى ﴾ مبتدأ وخبر ، أو هو ضمير الشأن مبتدأ ، وربى مبتدأ وقوله : ﴿ لا إله إلاَّ هُو ﴾ خبر مبتدأ ، والجملة خبر الشأن ، أى لا أهل للعبادة سوه ، ولا شريك له كما زعم قائلكم : إن محمداً يدعو إليهن .
﴿ عَليه ﴾ لا على غيره ﴿ توَكَّلتُ ﴾ فى نصرتى عيلكم جميع أمورى ﴿ وإليه ﴾ لا إلى غيره ﴿ مَتَابِ ﴾ أى مرجعى ، وهو مصدر ميمى بمعنى الرجوع ، أى لا أرجع إلا إليه بالبعث للجزاء على مصابرتكم ومجاهدتكم ، وحذفت ياء الإضافة ، ودلت عليهما الكسرة .
قال ابن عباس وغيره : إن نفرا من مشركى قريش ، منهم أبو جهل ، وعبد الله بن أمية ، جلسوا خلف الكعبة ، وأرسلوا خلف النبى A فأتاهم ، وقيل : مر بهم وهم جلوس ، فدعاهم إلى الله D ، فقال عبد الله بن أمية : إن سرك أن نتبعك فسير جبال مكة بالقرآن ، وأذهبها عنا حتى نتفسح ، فإنها أرض ضيقة ، فتتخذ فيها بساتين ومزارع ، واجعل لنا أنهار نسقى ذلك بها إن كنت نبيا كما زعمت ، فلست بأهون على ربك من داود ، إذ سخر له الجبال؟
قال : « لا أقدر على ذلك » .