هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

41

الجزء ١ · صفحة ٢٨٤

وقيل كان علماؤهم يأخذون من عامتهم وسفلتهم فى كل عام شيئاً معلوما ، من زرعهم وثمارهم وأنعامهم وهدايا ، فخافوا أن يبينوا صفة محمد - A - أن يتبعه اليهود ويتركوهم فتفوتهم تلك المآكل ، ففعلوا ذلك المذكور من الكتم أو ما بعده . وقيل كانوا يحرفون ما صعب من حكم الله لملوكهم وعماتهم ، ولمن هووه بالتأويل أو بتبيدله بما يسهل ، أو يكتمونه أو يمحونه ، فيكرمون على ذلك . وقال الحسن : كانوا يزيدون فى التوراة ما ليس فيها ويكتبونه . ويأخذون على ذلك بالا ، مثل قوله تعالى : ﴿ فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا ﴾ وقيل كانوا يأخذون الرشا فى حكمهم بين الناس ، فيحرفون الحق ويكتمونه . وقيل كانوا يعلمون دينهم بالأجرة فنهوا عن ذلك . وفى كتبهم علم مجانا كما علمت مجانا ، أى بلا أجره ، وقال قوم : الآية نهى عن المعاصى كلها ، لأن من تبع هواه وارتكب معصية ، كان بائعا لدينه بما ارتكب ، فالثمن القليل وما يجنونه من لادنيا ، ومالو إيه وتركوا حكم الله - جل وعلا - فيه . والأوجه السابقة قبل هذا . والأول مانع من حمل الآية على تلك الأوجه السابقة دفعة ، وليس قوله : ﴿ ثَمَنَاً قَلِيلاً ﴾ قيد مجيز للاشتراء بالثمن الكثير بل هو لبيان الواقع ، لأن الدنيا كلها قليل فيما يأخذونه شئ قليل جداً ، من شئ قليل . ولو كان فى حد ذاته كثيراً ففى ذلك تلويح بأن الكثرة هو الآخرة . فالدنيا وإن كثرت وعظمت ، قليلة بالنسبة إلى نعيم الآخرة ، فأقل قليل من نعيم الآخرة أفضل وأكثر لذاته ولدوامه ، وإنما فسرت الاشتراء بالاستبدال لمكان قوله : ﴿ ثَمَنَاً قَلِيلاً ﴾ وقوله : ﴿ بِأَيَاتِى ﴾ فإن الثمن لا يكون مشترى ، وإنما يكون مشترى به ، والياء لا تدخل على الثمن ، بل على الثمن شبه استبدال الرئاسة ، التى كانت لهم بآيات الله باشتراء الشئ بالشئ ، وأعار له لفظ الاشتراء إعارة تحقيقية أصلية تصريحية ، واشتق من لفظ الاشتراء المعار لفظ تشترى على طريق الاستعارة التصريحية التحقيقية التبعية ، والقرينة التعبير عن المشترى بلفظ الثمن ، فإن الاشتراء الحقيقى لا يكون فيه المشترى ثمنا يه ، تعلم أن الاشتراء بمعنى الاستبدال ، والياء تدخل فى الاستبدال على العوض والمعوض عنه .

﴿ وَإِيَّاىَ فَاتَّقُونَ ﴾ : احذروا عصيانى فى أمر محمد أو فى الحق ، أو احذروا عقابى على ذلك ، فآمنوا به ، واتبعو الحق ، وأعرضوا عن الدنيا ، ولا تشتروها بآياتى . ذكر هناك الرهبة وهنا التقوى ، لأن الآية التى فيها الرهبة مشتملة على ما هو كالمبدى لما فى الآية الثانية التى فيها التقوى والرهبة مقدمة التقوى ، لأن الرهبة خوف مع حزن ، واضطراب لوعيد بالغ كما مر ، والتقوى الحذر ما خيف منه ، أو جعل النفس فى الوقاية منه ، ولأن الأولى خطاب للعالم والمقلد فأمرهم فيها بالرهبة التى هى مبدأ السلوك ، والثانية خطاب للعالم فأمر فيها بالتقوى ، التى هى منتهى السلوك ، فان الإنسان يرهب الوعيد على المعصية ، فيقلق منه فيحذرها لئلا يقع فيها .

٢٨٤ / ٧٬٦٨٠