سورة المدثّر
الجزء ١٩ · صفحة ٢٢٧أي كان ذلك في فترة انقطاع الوحي عنه عليه السلام بعد ما حصل له ما حصل في باديّ الأمر بحراء، ونزول فواتح سورة العلق، والحكمة في ذلك الانقطاع هي تهدئة روعه، وحصول الشّوق والحنين إلى الوحي، وقيل إنه رأي الملك بين السّماء والأرض على الصّورة التي خلقه الله عليها، فاشتد خوفه منه حتى جثا على الأرض، وقد خاطبه الله بصفة: (الْمُدَّثِّرُ): أي المتلفف بثيابه حقيقة أو مجازا كما تقدم: إنه النّداء الإلاهي للنهوض والقيام بمهمة النذارة للبشرية جمعاء وهي مبادرة في غفلتها وضلالها. لتخلصها من الشّرّ والعذاب والأمر بالقيام يعني المبادرة إلى الجدّ والعزم للأخذ بمهمة الإنذار، -أي التّنبيه إلى خطر داهم يترصّد الغافلين السادرين في ضلالهم- وفي ذلك إقامة للحجة من الله على عباده وهو مظهر لرحمته ولطفه بهم حتى ينجيهم من عذاب الآخرة وشقاء الدّنيا، ولما كانت مهمة الدّعوة ثقيلة شاقة تتطلب من القائم بها خصائص نفسية وكمالات فطرية جاءت تلك التّوجيهات الرّبانية لرسوله في خاصّة نفسية لإعداده الكامل في تحمّل مسؤوليته فقال تعالى:
(وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ* وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ* وَالرِّجْزَ فَاهْجُرْ): يتضمّن التّوجيه الرّباني مبادئ أساسية تعتبر ركائز لهذا الدّين وهي بمثابة عناوين لموضوعات كبرى يتولى الوحي إيضاحها وبيانها.
أ) - (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ): جاء التّعبير بصيغة الاختصاص، وذلك بتقويم المفعول به، (وَرَبَّكَ): على الفعل: (فَكَبِّرْ): أي خصّ ربك وحده بالتكبير والتعظيم لأنه هو الخالق لكل شيء، وتكبيره تعالى يتضمّن بيان عظيم صفاته وأسمائه الحسنى بما يتطلب ذلك من الأدلة والبراهين، ويتمّ تكبير الرّب تعالى بالقلب واللّسان وتجاوب الجوارح كلها مع جملة: "الله أكبر" التي شرعت في أفعال الصّلاة، وإذا تفاعل العبد مع "الله أكبر" فإنه يستهل كل صعب، ويستصغر كل مستعل جبار، ويحتقر مكايد الأشرار، وهو في كنف الواحد القهار.