نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة القيامة

الجزء ١٩ · صفحة ٢٦٠

فإذا مشاهد القيامة -وهي ما تزال في مجاهل الغيب- تهز الكيان البشري بقوة الأداء والتّشخيص الحيّ في النصّ القرآني فتنخلع لذلك قلوب الجاحدين وهم يحاولون التّجلّد والمقاومة، فإنه تعالى يقترب منها أكثر فأكثر ليرسم مشهد الموت وهم يرونه كل يوم يخطف الأحبة ويفرق بين الأصحاب والعشراء، ولا يملك أحد أن يمنعه أو يديعه، وهو لا يفرق بين الصّغير والكبير ولا يحابي العظيم أو الحقير، والإنسان مع ذلك قلما يعتبر حتى جاء التّعبير المحلي الأمازيغي عندنا في تسمية الموت بقولنا: "تامتانت" ما معناه العربيّ: ثمانية فنسوه، أي نسوا الموت بعد ثمانية أيام، يقول الله في ذلك: (كَلآَّ إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ* وَقِيلَ مَن رَّاقٍ* وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ* وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ* إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ): إنه المشهد الكئيب لحالة النزع والاحتضار، كأنه حاضر بجوّه الحزين والمحتضر ممدود على فراشه ينازع الموت وأهله لا يملكون حولا ولا قوة لإمساك تلك الرّوح حتى لا تنفصل عن جسدها وقد صعدت إلى أعالي الصدر لتلحق بباريها، ويلتفت الحاضرون ويستغيثون لطلب وسيلة الاستبقاء تلك الرّوح برقية تفيد: (وَقِيلَ مَن رَّاقٍ): ولكن هيهات.

وإذا المنية أنشبت أظفارها … ألفيت كل تميمة لا تنفع

وعندئذ يتيقن كل إنسان بأنه الفراق المحتوم، وفي سكرات الموت ومعاناة النزع تلتف السّاق بالسّاق، أو ..... في ثوب الكفن لسياق المخلوق إلى خالقه في خاتمة سعيدة أو شقية وفق اختياره وسعيه، وإلى ربك المنتهى، وهكذا يسدل السّتار على ذلك المشهد الفاجع الذي يكفكف من غلواء الحياة الدّنيا والحرص عليها.

ولا ينبيك عن خلق اللّيالي … كمن فقد الأحبّة والصّحابا

وعلى موقف الإنسان المكذب اللاهث وراء متاع الدّنيا يفرّع الله استنكاره لمن أعرض عن طاعته مختالا فخورا ويتوعده بشدة.

٦٬١٧٢ / ٦٬٧٦٧