سورة النّازعات
الجزء ١ · صفحة ٥٣وليس من السّهل مخاطبة الطّغاة، سيما في أمر يرون فيه تحديّا لسلطانهم، فالأمر يحتاج إلى كياسة ولباقة تستنزل طائرهم وتخفّف حدّتهم، وذلك هو ما علّمه الله لموسى بتلقين تلك العبارات اللّينة التي يخاطب بها فرعون، فاختار أسلوب الاستفهام التّحفيزي: (هَل لَّكَ)، ثم دعاه إلى التّزكية أولاً على قاعدة: التخلّي قبل التّحلّي. يتطهر من أرجاس الشّرك حتى يلبس أثواب الخشية من الله ويهتدي بهديه المبين، وخشية الله هي ملاك الأمر ينجرّ عنها كل خير، إذ هي تجاوب واندماج في صميم الوجود المسبّح بحمد ربّه. وهذا كقوله تعالى في سورة طه: (فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (44). يكفي أي عبد مثل ذلك التّطهّر من أرجاس الكفر حتى يعرف طريق ربّه، وما إن يخطو الخطوة الأولى على ذلك الطّريق فإن خشية الله تنساب في صُلبه متدفقة تملأ شغافه وتستقرّ في ثناياه، ومع الموعظة اللّيّنة المعجزة المبهرة، تلك المعجزة التي تدرب عليها في موقف المناداة والتّكليف، فها هو ذا يؤدّي دوره ببراعة أمام الطّاغية في موقف المواجهة والتّبليغ، فكيف كانت النّتيجة؟.
(فَأَرَاهُ الاَيَةَ الْكُبْرَى، فَكَذَّبَ وَعَصَى، ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى، فَحَشَرَ فَنَادَى، فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الاَعْلَى، فَأَخَذَهُ اللهُ نَكَالَ الاَخِرَةِ وَالاُولَى، إِنَّ فِي ذَالِكَ لَعِبْرَةً لِّمَنْ يَّخْشَى):