سورة النّازعات
الجزء ١ · صفحة ٥٢الخطاب لغير معيّن، والاستفهام فيه للتشويق والإعداد النّفسيّ، والمخاطبون على دراية بقصة موسى مع فرعون، وقد تكرر التّذكير بها في سور مختلفة، وجاءت في سياق هذه السّورة مختصرة بما يناسب أداء الغرض من الجوّ العام للسورة في بيان حقيقة البعث والنّشور والتّخويف من أهوالها، والتعبير بالحديث فيه إيحاء بتفاهة الدّنيا وإن سرت وتزينت لبعض النّاس -أحيانا- كما حدث لفرعون، إذ أنها عندما تفنى وتزول فإنها تبقى للأجيال مجرّد أحاديث تروى، كما قال تعالى في حضارة سبأ: (فَجَعَلْنَاهُمُ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ) (سبأ:19). تضمنت القصّة هنا عدة لقطات هامة، فبدأت بالنّداء الرّباني لموسى بالوادي المقدّس طوى، أي المسمّى بهذا الاسم على الأرجح، وهو بجانب الطّور الأيمن في صحراء سيناء، فأية رهبة وأيّ جلال قد ساد ذلك المكان وأية رباطة جأش سخرها الله لموسى وهو يستمع لذلك النّداء مباشرة، إنها لحظة جليلة، يتجلّى فيها السّرّ الإلهيّ ليتقمص شخص موسى عليه السلام ويخلع عليه رداء النّبوءة والرّسالة، ولا يتضمن النّصّ تفاصيل المناجاة التي جرت بين الله وموسى بل يقتصر على الأمر التكليفي بالذّهاب إلى فرعون ويصفه بأبرز صفاته التي يمقتها الله وهي الطّغيان: (إِنَّهُ طَغَى)، والطّغيان مفسدة في الأرض يعاقب الله صاحبها بعد الإعذار والإنذار.