نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة النّازعات

الجزء ١ · صفحة ٥٥

الخطاب لمنكري البعث بناء على ما ألفوه من استمرارية الزّمن وذهاب الموتى بلا رجعة فحاججهم الله من خلال الخلق العظيم الذي لا يستطيعون إنكاره وهم يعيشون في حيّزه الزّمانيّ والمكاني، فجاء هذا الاستفهام التّقريري التّعجيبي والذي يحملهم على التّسليم والإقرار بأنّ السّماء أعظم منهم خلقا وأشدّ قوّة في بنائها على غير عمد وإعلاء بناءها مستوية بلا فطور ولا شقوق.

وقوله تعالى: (رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا) تفصيل للبناء المحكم في ثبات أركانه وتركيز سقفه. (وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا): أي جعل ليلها مظلما حالكا ونهارها مشرقا مضيئا. وإخراج الضّحى بمعنى إشراق الشّمس وارتفاع ضوئها إلى الزّوال، وهي ظاهرة تتجدّد كلّ يوم وإن كنّا نغفل عن قدرة الله فيها لطول الإلف والعادة، وآيات القرءان تذكّرنا بذلك لنشكر الله عليها، ولكن أنّى للقلوب المتحجرة أن تذكر وتتعظ؟.

وإذا كانت أبصارنا تتقلب إلينا خاسئة من عظمة السّماء وأسرارها فإنّ لنا في الأرض مهادا وطيئا لا يندّ عن تأمّلنا وتدبّرنا، حين يوجّه الله أنظارنا إليها ويقول: (وَالاَرْضَ بَعْدَ ذَالِكَ دَحَاهَآ، أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا، وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا، مَتَاعًا لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ)، أي بعد خلق السّماء وتسويتها مهّد الله الأرض لحياتنا بدحوها، والدّحو: هو البسط والتّسوية، مثل ما يفعل الخباز برقاقة العجين يبسطها بكفيه على شكل الرّغيف، وفي ذلك يقول ابن الرّومي لوصف سرعة الخباز في الدّحو.

إن أنسى لا أنسى خبازا مررت به … يدحو الرقاقة وشك اللمح بالبصر … ما بين رؤيتها في كفه كرة … وبين رؤيتها قوراء كالقمر

إلا بمقدار ما تنداح دائرة … على صفحة الماء ترمى فيه بالحجر

٦٬٢٣٤ / ٦٬٧٦٧