73
الجزء ٣ · صفحة ١٤٥﴿ وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ : ففى هذا الإخبار بالغيب معجزة لسيدنا محمد A ، وإبطال حيلتهم ، وإبطال تأثيرهم فىقلوب المؤمنين الضعفاء ، وردعاً لليهود عن مثل هذا الاحتيال ، إذ كانوا يفضحهم الوحى .
وقيل : المراد طائفة منهم كعب بن الأشرف ، ومالك بن الصيف ، وقيل : المراد هما قالوا لأصحابهم لما حولت القبلة بالمدينة عن بيت المقدس إلى الكعبة ، آمنوا بما أنزل عليهم من الصلاة إلى الكعبة أول النهار ، وصلوا لها الفجر ، واكفروا آخره فصلوا إلى آخره إلى الصخرة : صخرة بيت المقدس لعلهم يقولون هم أعلم فيرجعون عن قبلة محمد إلى قبلتنا ، وذلك أنه شق على اليهود التحول إلى الكعبة ، و وبهذا فسر مجاهد . وأخبر الله تعالى نبيه ، A ، بذلك . ووجه النهار : أوله ، ووجه الشىء : أوله لأن أوله أول ما يواجهك منه ، ومن شدة جهلهم وتسامحهم فى ديانتهم ، أنه تصور عندهم إمكان أن يؤمنوا بدين من اتبع دينهم ، فليسوا باقين على دينهم ، وكيف يدخلون ديناً تركه صاحبه لبطلانه؛ وهو أيضاً عندهم باطل؟ ويجوز أن يكون المعنى : لا تظهروا أنكم الإيمان ، أول النها ، إلا لمن كان على دينكم لأنه أسهل رجوعاً وأهم ، فإنكم إذا أخبرتم المؤمنين أنكم تظهرون إيماناً ليس بكم لم ينخدعوا لكم ، وعدى الإيمان باللام لتضمنه معنى الإقرار ، وقيل : اللام للتأكيد فى المفعول به ، أى لا تصدقوا إلا من تبع دينكم .
﴿ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ ﴾ : إن السيرة التى تعد هدى هى ما سماها الله هدى وهى ما عليه محمد A وأصحابه ، وغير ذلك ضلال .
﴿ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ ﴾ : هو على تقدير الباء وتعلق بتؤمنوا ، وما أوتيتم : هو التوراة ، ومثله هو القرآن ، أى لا تظهروا أنكم آمنتم ، إلا لمن تبع دينكم ، وذلك أن سيدنا محمد A وأمته أتوا القرآن ينزل عليهم ، كما أوتى موسى عليه السلام وأمته التوارة ، وأرادوا أن يظهروا وجه النهار أن محمداً وأصحابه أتوا القرآن كما أوتى موسى وأمته التوراة ، وهو قوله ﴿ آمنوا بالذى أنزل على الذين آمنوا وجه النهار ، وقالوا لا تظهروا ذلك إلا لمن تبع دينكم ﴾ فجملة ﴿ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّه ﴾ معترضة تفيد أم كيدهم لا يؤثر شيئاً ، وذلك لأنهم أخبروا بإيمانهم الذى فى قلوبهم ، وجحدوه ظلماً وعلوا ، من ليس على دينهم من المشركين أسلم المشركون برسالة محمد A إيماناً وليس بأفعالهم ، لأنهم يعلمون فى مناقضته وينكرونه بألسنتهم ويصدون عنه ، وذلك من كلام الطائفة غير قوله ﴿ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّه ﴾ . . ويجوز أن يكون كلام الله كقوله ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ على أن يقدر لام التعليل ، وتعلق بمحذوف ، أى قلتم ذلك ، أو دبرتم ذلك لأجل أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ، أى حملكم الحسد على ذلك ، وبه فسر قتادة والربيع ابن أنس ، وقوله : ﴿ يؤتى ﴾ على الوجهين ، للحال ويدل على هذا الوجه الأخير أن يؤتى بعد الهمزة للاستفهام ، أى لأجل أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم دبرتم أو قلتم ذلك ، والاستفهام للتوبيخ ، يجوز أن يكون هدى الله بدلا من الهدى ، وأن يؤتى فى تأويل مصدر خبر إن فيكون من كلام الله ، وقرأ الحسن والأعمش إن يؤتى - بكسر الهمزة - على النفى فيكون من كلام الطائفة ، وقدر بعضهم فيه القول على هذه القراءة ، أى قوله لمحمد وأصحابه مما يؤتى أحد مثل ما أوتينا .