97
الجزء ٣ · صفحة ١٨٢﴿ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ ﴾ : أى فى شأنه آيات بينات ، فشملت الآيات البينات الحرم كله ، لأنها كلها تسبب بالكعبة ، واتصال لا ما يختص بالكعبة فقط ، ذلك المجموع مقام إبراهيم ، وأمت داخل الحرم وكون الكعبة لا يقصدها أحد إلا قصم ، وكون الطيور لا تمر فوق الكعبة عند طيرانها فى الهواء ، بل تحط عنها يمناً وشمالاً عند موازاتها ، وهذا أمر مشاهد .
ومن ذلك أن سباع الوحش والطير إذا تبعت صيداً ودخل الحرم رجعت ، حتى الكلاب لا تهيج الظباء ، وأن مرضى الطيور تستشقى بالكعبة . ولا يشكل على ذلك هدم الحجَّاج الكعبة ، ورميه داخل المسجد عند محاربته لعبد الله بن الزبير ، إذ تحصن عبد الله بالمسجد لأنه هدمه ليبنيه أجود فى زعمه والرمى للحرب لا مهاونة بالكعبة ، ومن ذلك الحجر الأسود ، والملتزم ، والحطيم ، وزمزم ، وعرفة ، والمزدلفة ، ومن المشروزعات من أحَلّ عمارة الكعبة بالعبادة ، وأن بانيه إبراهيم وابنه إسماعيل وما ذكرته من أن الضمير فى قوله { فيه آيات بينات للبيت ، وهو الكعبة على أن المراد فى شانه أولى من كونه للبيت على أن المراد بالبيت الحرم تجوز العلاقة الجوار ، لأنه لا تشمل الآيات على هذا إلا آيات ما جاور البيت ، وهو الحرم ، ولاتشمل آيات نفس البي ، أو تجوز بطريق إطلاق الجزء وإرادة الكل ، لأن هذا مجاز ، والذى قبله كذلك ، جملة ﴿ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَات ﴾ مستأنفة ، بين بها البركة والهدى ، أو حال أخرى ، وأجاز بعض أن تكون نعتاً لهدى على أنه قد نعت بقوله ﴿ للعالمين ﴾ وعلى أن الضمير لهدى ، لا للبيت ، لكن الهدى مراد به البيت .
﴿ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ﴾ : مبتدأ خبره محذوف أى منها مقام إبراهيم ، لا بدل بعض من البيت لعدم الرابط ، وتقدير مقام إبراهيم منها على أن يكون منها حالا من مقام وما : رابط تكلف ، ويجوز كونه بدل كل ، باعتبار عطف مقدر ، أى مقام إبراهيم وكذا وكذا ، حذف ذلك دلالة على الكثرة ، وإبادال المعرفة من المنكرة جائز ، ويجوز أن يكون مقام إبراهيم بدل كل من آيات بينات ، بلا تقدير عطف على أن المراد بالآيات ، هى المقام وحده لاشتماله على الآيات ، وكذا إذا قيل إن المقام هو الحرم كلهُ ، كما قال بعض ، وبهذا التقرير جاز كونه عطف بيان لآيات ، وذلك أن المقام صخرة صماء أثر القدم بالغوص فيها ، وكان الغوص إلى الكعبين وخصت بالتلين عن سائر الصخور ، وبقى الأثى إلى الآن دون آثار سائر الأنبياء ، وعدم زواله أو زوالها ، مع مضى مدة طويلة هى ألفان وثمانمائة سنة وثلاث وتسعون سنة إلى هجرة رسول الله A ، وزعمت اليهود - لعنهم الله - أن ذلك ألفان وأربعمائة سنة واثنتان وأربعون سنة ، مع كثرة أعدائه ، ولو كثر أيضاً مدهو حبه ، ومع تداول الأيدى عليه وعبارة بعض ، أن فيه أثر قدمى إبراهيم عليه السلام ، وأنهُ دثر لمسح الأيدى ، ويجوز أن يكون بدل كل ، أو بيان ، تنزيلا للمقام منزل آيات كثيرة ، لظهور شأنه دلالته على قدرة الله تعالى ، ونبوة إبراهيم عليه السلام ، كما قال إبراهيم إنه أمة على أحد أوجه قوة فو كونه أمة ، ويجوز ذلك أيضاً ، على تنزيل قوله : { ومَنَ دَخَلَهُ .