59
الجزء ٣ · صفحة ١٢٩﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ : قال ابن عباس والكلبى وغيرهما من المفسرين كلهم : إن هذه الآية نزلت فى وفد نجران ، قدموا على رسول الله A ، وفيهم السيد والعاقب ، فقالوا لرسول الله A : ما شأنك ، تذكر صاحبنا؟ أى بسوء . وفى رواية مالك : تشتم صاحبنا فقال A : « من صاحبكم؟ » قالوا : عيسى . قال : « وما أقول؟ » « قالو : تزعم أنه عبد الله . فقال لهم النبى A : » أجل إنه عبد الله رسوله ، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول « فغضبوا فقالوا : هل رأيتله مثلاً وأنبئت به؟ وهل رأيت إنساناً يا محمد من غير اب؟ أو سمعت به؟ فخرجوا فجاءه جبريل عليه السلام فقال له : إذا أتوك فقل لهم ﴿ إن مَثَلَ عيسى عند الله كمثل آدم خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ، ثمَّ قالَ لهُ كُن فيَكُونُ ﴾ زعموا أنك إذا سلمت يا محمد ، إنه لا أب له لزم أن يكون أبوه الله تعالى عن مقالة الضالين ، فاحتج الله جل جلاله ، إنه خلقه بلا أب ، كما خلق آدم بلا أب ولا أم .
روى أن الروم أسروا بعض العلماء ، فقال لهم : لمَ تعبدون عيسى؟ قالوا : لأنه لا أب له ، قال : وآدم أولى أنه لا أب له زلا أم . قالوا : كان يحيى الموتى ، قال : فحزقيل أولى لأن عيسى أحيا أربعة نفر ، وحزقيل أحيا ثمانية آلاف ، قالوا : كان يبرء الأكمه والأبرص . قال : فجرجيس أولى ، لأنه طبخ وأحرق ثم قام سالماً ، والمثل الأمر الغريب الذى تشبه به الأشياء شبه غرابة ، خلق عيسى بلا اب بغرابة خلق آدم من تراب ، واستأنف قوله : ﴿ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ﴾ بياناً للشبيه فى أنه لا أب له ، إذ كان من تراب ، كما لا أم له أيضاً ، ومعنى خلقه من تراب ، أنه صوره جسماً من تراب ولا روح فيه ، وليس لحماً ودماً ، ثم قال له : ﴿ كن ﴾ لحماً ودماً وعظماً فتحرك ، ﴿ فيكون ﴾ : أى فهو يكون وهذا حكاية حال ماضية ، كأنه استحضر الله ذلك ليشاهده سيدنا محمد A ، ولولا ذلك ولقيل : فكان ، ويجوز أن يكون الخلق بمعنى تصييره من تراب ، لحماً ودماً وعظماً متحركاً بعد أن كان جسداً فيكون ، ثم على هذا الترتيب فى الإخبار أو لتعظيم رتبة وجوده ، كذلك يقول ﴿ كُن فيَكُون ﴾ قوله ﴿ كن ﴾ مقدماً فى الوجود ، والكون تام أى احصل بحال أريدها منك . وقيلك التضمين فى قوله : ﴿ ثمَّ قالَ له ﴾ لعيسى ، أى ثم قال لعيسى كن فى بطن أمك فيكون .