52
الجزء ٣ · صفحة ١١٧﴿ فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ ﴾ : تحقق عيسى منهم الكفر ، كما يتحقق الشىء المحس بالإحساس منالحواسن وذلك أن الكفر معقول لا يحس بحاسةن ولكن شبه العلم به بعلم ما يعلم بالحاسة ، ثم إنه لا مانع من أن يبقى أسَّ على ظاهره ، لأنه أحس كفرهم بأذنيه ، إذ سمع منهم ألفاظ الكفر ، والتلفظ بلفظ الكفر بلا حكاية الكفر .
﴿ قَالَ مَنْ أَنصَارِي ﴾ : وسكن الياء غير نافع وابن كثير وأبى عمرو .
﴿ إِلَى اللَّهِ ﴾ : متعلق بمحذوف ، والمحذوف حال ، وهو كون خاص ، وصاحب الحال الياءن أى من أنصارى ذاهباً إلى الله ، أو ملتجئاً إلى الله ، وأنصار : جمع ناصر ، والمعنى من ينصرنى حال كونى ذاهباً إلى الله ، أو ملتجئاً إليهن أو من ينصرنى ضاما نصره إياى ، إلى نصر الله إياى ، وصاحب الحال أيضاً الياء ، ويجوز تعليقه بأنصار على تضمين معنى مضيفين ، أى : من الذى يضيفون أنفسهم إلى الله فى نصرى ، بأن ينصرونى مع الله ، ويجوز تعليقه بأنصار ، بلا تضمين ، إن جعلنا ﴿ إلى ﴾ بمعنى « مع » ، أو « فى » أو اللام ، أى فى دين الله ، أو لأجل الله ، والمعية حاصلة مع إبقاء ﴿ إلى ﴾ على أصلها أيضاً ، لأنك إذا أنهيت بشىء إلى شىء ، فقد جمعتها ولذلك أنكر الزجاج وغيرهمجىء ﴿ إلى ﴾ بمعنى « مع » واستقلوا بذلك .
﴿ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ ﴾ : أى أنصار دين الله ، والحوارى : صفى الرجل وخالصته من الحور ، وهو البياض الخالص ، يقال لنساء القرى : حوريات ، لصفاء ألواهن وخلوصه ، وغلبة البياض عليهن ، ويقال للدقيق : حوراى ، لأنه الخالص من جملة الدقيق ، وحوّرت الثوب : بيضته . قال أبو جلدة اليشكرى فى نساء القرى :
فقل للحواريات يبكين غيرنا … ولا يبكنا إلا الكلاب النوائح
روى جابر بن عبد الله أنه ندب رسول الله A الناس يوم اخندق ، فانتدب الزبير ، ثم ندبهم فانتدب الزبير ، ثم ندبهم فانتدب الزبير ، فقال النبى A : « إن لكل نبى حوريات ، وحواريى الزبير » وفى رواية : « وحواريى من أمتى الزبير » فسمى أنصار عيسى الحواريين لخلوص نياتهم ، ونقاء سرائرهم ، وظهور نور العبادة عليهم ، وحواريو الأنبياء من أخلصوا نياتهم فى نصر الأنبياء ، فهذا الاسم لقبهم الله به ، بعد إجابة عيسى على نبينا وE ، أو كانت نياتهم قبل ذلك خالصة فى الله ، وعلى كل حال فهم فى الأزل مستحقون لهذا الاسم . وقيل : سموا لأنهم ملوك يلبسون الثياب البيض استنصر بهم عيسى على اليهود ، وقيل : لأنهم قصارون ، يحورون الثياب ، اي يبيضونها . وبه قال الحسن ، وعن مجاهد والسدى : سموا لبياض ثيابهم . وأما تفسير الحوارى الذى يستان به فليس من اللغة ، بل من حيث إن الرجل يستعين بصفيه لما علم عيسى على نبينا وE ، من بنى إسرائيل الكفر ، وعلم أنهم ارادوا قتله ، خرج هو و أمه يسيحان فى الأرض فدخلا قرية فأضافهما رجل ، وأحسن إليهما وكان لتلك القرية ملك جبار ، فجاء الرجل يوماً حزيناً ، ومريم عند امرأته ، فقالت مريم : ماشأن زوجك ، أراه كئيباً حزيناً؟ .