هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

55

الجزء ٣ · صفحة ١٢٣

﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ ياعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيك ﴾ مميتك بدون أن يقتلك هؤلاء الذين قصدوا قتلك ، فإنهم لا يصلون إليك .

﴿ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ﴾ : بجسدك وروحك بعد أن أحييك فى الأرض ، أرسل الله بحانه سحابة ، فرفعته وتعلقت به أمه تبكى ، فقال لها : إن القيامة تجمعنا ، ومعنى رفعه إلى الله : رفعه إلى سماواته وملائكته كحاله فى الدنيا ، إلا أنه لا يأكل ولا يشرب ، وألبس نوراً ، وكذلك فسر ابن عباس ومالك فى العتيبة المتوفى : بالإماتة . قال وهب بن منبه : إن الله تعالى توفى عيسى ، ثم أحياه ورفعه إليه ، وبه قال النصارى ، ولكن لعنهم الله يقولون : إن المرفوع روحه دون الجسد . فرد الله عليهم بأنه يتوفى جسده ويرفعه وقال الفراء : معنى متوفيك : مميتك بعد إنزالك إلى الأرض آخر الزمان . فالواو عطفت فى هذا القول سابقاً ، وأصل الكلام : يا عيسى إنى رافعك إلىَّ

﴿ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ ومميتك ، ومعنى تطهيره من الذين كفروا : تنجيتهُ من سوء جوارهم وقتلهم ، وإبعاده إياه عنهم ، وعلى قول الفراء : رفع بلا موت ، وكذا أكثر القول ، إنه لم يمت . فقيل متوفيك : معنناه قابضك بلا موت ، تقول : توفيت الشىء ، أى أخذته وقبضته تاماًن لم يصله أعدؤه بقتل ولا بما دونهن وقيل : المراد بالتوفى « الإنامة » كما قال الله جل وعلا : ﴿ الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت فى منامها ﴾ نام عيسى فرفعه الله وهو نائم لئلا يلحقه خوف ، أى سأنيمك وأرفعك إلى ، وقال أبو بكر الواسطى : معناه إنى متوفيك عن شهواتك ، أى فليكون كملائكة الله بلا شهوة لن الشهوات عائقة عن العروج إلى عالم الملكوت ، وقيل : معنى متوفيك مكمل أجلك ، لا أسلط عليك من يقتلك ، واختاره الكشافى .

﴿ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ ﴾ : هم المسلمون من أمة سيدنا محمد A ، لأن ما جاء به سيدنا محمد A من التوحيد وغيره ، مما لم ينسخن هو ما جاء به عيسى وزيادةن فمتبه سيدنا محمد A ، متبع لعيسى عليهِ السلام فى ذلك .

﴿ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ : هم ملل النصارى كلهم ، واليهود وغيرهم من ملل الشرك ، لأن من آمنوا بعيسى ، ولم يدخلوا الشرك فى إيمانهم ، قد انقرضوا ، ومن بقى منهم إلى بعث سيدنا محمد A قد كفروا بجحودهن A أو جحود بعثه إليهم ، والعيان أقوى دليلاً ، فإنك لا تجد اليوم ، ولا قبل اليوم ، نصرانياً إلا وقد أشرك بصليب ، أو قوله : إن عيسى إله ، وإنهُ هو الله أو ابنه أو بإنكار بعث الأجساد وكل ذلك زائد غلى إنكار خاتم النبين ، أو إنكار بعثه إليه ، ولا تجد أن تقول الذين اتبعوه هم من آمن به من النصارى ، مع هذا الكفر البين ، وأيضاً شاهدنا وسمعنا ، ورأينا فى الكتب ، أن النصارى الغالبين فى الجزائر ، وبارز ، والأندلس وغيرهن ، ليسوا متبعين لعيسى ، ولا تجد أيضاً أن تقول كما قال بعضهم الحواريون رضى الله عنهم ، لأنه لم يملكوت فضلاً عن بقاء ملكهم إلى يوم القيامة ، ولهذه الحجج المضيقة قيل : الذين اتبعوك النصارى والذين كفروا اليهود إذ كفروا به ، فلم تسمع لهم دولة من زمان عيسى إلى الان ، ويرده أنه لا يصح أن يقال : لمن فى تلك المنزلة من الكفر الذى ذكرت عن النصارى : أنه اتبع عيسى ، فأوضح تفسير أن المتبعين هذه الأمة ، والذين كفروا النصارى واليهود وسائر المشركين فلا غلبة مستمرة بالحجة فى الدين ، ولا بالسيف إلا لهذه الأمة ، ومهما رأيت من شىء فلقرب الساعة والنصارى إلى الآن ترتعد من العرب والبربر المتعرية والخالصة .

١٬١٢٣ / ٧٬٦٨٠