93
الجزء ٣ · صفحة ١٧٥﴿ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ ، عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ ﴾ : ردا عليهم ، بأن الطعام كله كان حلالا لبنى إسرائيل ، كما حل لمن قبلهم ، كإبراهيم ونوح ، إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ، فتبعه أولاده : وإسرائيل هو يعقوب ، والذى حرم على نفسه هو لحم الإبل ولبنها ، وعن ابن عباسك أن عصابة من اليهود ، حضرت رسول الله A ، فقالوا : يا أبا القاسم ، أخبرنا أى الطعام حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة؟ فقال رسول الله A : « أنشدكم بالذى أنزل التوراة على موسى ، هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب مرض مرضاً شديداً فطال سقمه منه ، فنذر له نذراً لئن عافاه الله من سقمه يحرم من أحب الطعام والشراب إليه ، وكان أحب الطعام إليه لحماً الإبل ، واحب الشراب إليه ألبانها ، فقالواك اللهم نعم قلنا ذلك منه عليه السلام ، يقرب إلى الله بترك الذة ، وهو جائز فى شرعنا ، إلا أنه لا يجوز لنا أن نقول هذا الشىء حرام على قيل : حرمها تعبداًن وسأل الله أن ينجز تحريمها ، فحرمها على ولدهن وهو ظاهر قوله تعالى : ﴿ كلُّ الطَّعَام كَانَ حِلاًّ . . إلخ ﴾ .
مر أبو حازم بسوق الفاكهة ، فرأى محاسنها ، فقال : موعدك الجنة إن شاء الله ، وقيل : وصف له الأطباء أن يجتنب ذلك فحرمه على نفسه . وروى أن اليهود أنكروا شرع سيدنا محمد A ، وادعوا أن النسخ غير جائز ، فأبطل الله دعواهم بأن إسرائيل حرم بعض الطعام على نفسه ، وقد حل له ولمن قبله ، فأقره الله على تحريمه ، فذلك نسخ . قيل : كان به عرق نساء فنذر إن شفاه الله منه ، لم يأكل أحب الطعام إليه ، وكان أحبه إليه لحم الإبل ولبنها ، قال الضحاك : نذر يعقوب إن وهبه الله اثنى عشر ولداً ، وأتى بيت المقدس صحيحاً ، أن يذبح آخرهم فتلقاه ملكمن الملائكة ، فقال له : يا يعقوب إنك رجل قوى فتلقاه هل لك فى الصراع ، فعالجه فلم يصرع أحدهما ىلآخر ، فغمزه الملك غمزة فعرض له عرق النساء من ذلك ، ثم قال : إنى لو شئت لصرعتك ، ولكن غمزتك هذه الغمزةن فخرج من ذلك الذبيح ، ثم إنه لما أتى بيت المقديس ، وتم له اثنى عشر ولداً ، أراد ذبح الأخير ونسى قوله الملك ، فأتاه الملك وقال له : إنما غمزتك للمخرج ، وقد وفا ندرك فلا سبيل لك إلى ولدك ، ثم إنه لما ابتلى بذلك المر نسى ذلك من شدته ، وكان لا ينام الليل من الوجع ، فحلف إن شفاه الله لا يأكل أحب الطعام إليهن وقيل : حلف إن شفاه الله لا يأكل عرقاً لا طعاماً فيه عرق ، فكان بنوه بعد يتتبعون العروق يخرجونها من اللحم ، واحتج من أجاز الاجتهاد للنبى عليه السلام بقوله تعالى : ﴿ إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ﴾ وهو ظاهر لا يبطله احتمال أن الله تعالى قال له افعل ما بدا لك من تحليل وتحريم ، فذاك على هذا الاحتمال بإذن من الله وهو كتحريمه ابتداء ، قال مالك عن قوم من المتكلمين : يجوز أن يقول الله لعبده : احم فإنك لا تحكم إلا بالصواب ، وروى أنه خرج يعقوب إلى بيت المقدس هرباً من أخيه العيص ، وكان يعقوب بطشاً قوياً ، فلقيه ملك فى صورة رجل ، فظن يعقوب أنه لص ، فعالج أن يصرعه ، فغمز الملك فخذ يعقوب وصعد إلى السماء ، ويعقوب ينظر ، فهاج به عرق النساءن فكان يبيت يصيح به ، فنذر لئن شفاه الله لا يأكل عرقاً ولا طعاماً فيه عرق على حد ما مر ، ويقال بعض الطعام حرم على نبى إسرائيل بتحريم إسرائيل كما فى هذه الآية ، وبعضه حرم عليهم ببغيهم فى التوراة ، وبعدها ، وقال السدى : حرم الله عليهم فى التوراة ، ما حرموا على أنفسهم قبل نزولها وقيل : إنما حرم فيها ما حرم إسرائيل على نفسه ، وإنما حرمه على نفسه لا على قومه ، وولده ، ولما بغى بنو إسرائيل حرم عليهم الله فى التوراة ما إسرائيل حرمه على نفسه ، كما قال