56
الجزء ٤ · صفحة ٩﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بآيَاتِنَا سَوفَ نُصلِيهم نَارًا ﴾ : فلا بد منها لمن صد عنه ، اذا كان كل من كفر بآيات الله ، الدالة على وجوده ، وتنزهه عن الشبه ، وعلى رسالة محمد A من اليهود وسائر المشركين ، أو أريد كل كافر من أمة ومعنى ﴿ نُصلِيهم ﴾ : ندخلهم .
﴿ كُلمَا ﴾ : ظرف متعلق ببدلنا بعده ، وما مصدرية ، والمصدر من صلتها أضيف اليه كل ، فهو مصدر ناب عن ظرف الزمان ، أضيف اليه كل ، فاكتسب منه الظرفية .
﴿ نَضَجَتْ جُلُودُهُم ﴾ : احترقت جلودهم ، وقيل : أجسادهم .
﴿ بَدَّلنَاهُم جُلُودًا غَيرَهَا ﴾ : هذه الجملة حال من هاء ﴿ نُصلِيهم ﴾ ومعنى تبديل الجلود : رد تلك الجلود المحترقة بيعنها على حالها قبل أن تحترقن كما يرد الأجسام الفانية بعينها يوم البعثن فيزول أثر الاحراق ، أو تعاد على صورة أخرى ، وعلى كل حال فتتجدد قوة احساسهم بالاحراق ، كما قال :
﴿ لِيَذُوقُوا العَذابَ ﴾ : أي ليحدث لهمعذاب جديد يحسونهن كمن يذوق طعما جديدا ، أو ليدوم لهم ذوق العذاب ، كقرلك العزيز : أعزك الله ، إذا أردت ابقاء عزه لا تبديله ، ولا الزيادة عليه ، وان قلت : كيف تكون الجلود المبدلة عين الأولى ، وقد قال الله جل وعلا ﴿ غَيرَهَا ﴾ ؟
قلت : لما كانت صفتها تبدل من الاحتراق الى عدمه ، نزل تغير الصفة منزلة تغاير الذات ، كما تقول : هذا يسر أفضل منه رطبا ، وكما تقول : جاء زيد العالم والشاعر ، تزيد بهما زيدان وكما تقول : بدلت خاتمى ، تريد أنه أذيب أو دق فصنع على كيفية أخرى .
وقيل : تجدد لهم جلود أخرى غير الأولى العاصية المحترقة ، ولا ظلز في ذلك للجلود المبدلة ، لأن الجلود والأبدان لا تتألم بنفسها ، بل يتألم القلب .
وقيل : الجلود المبدلة سرابيل القطران ، وقيل : يخرج من تحت الجلد صر ، قال رسول الله A : « تبدل جلودهم كل يوم سبع مرات » وعن الحسن : يبدلون كل يوم سبعين جلدا بيضا ، وعنه A تبدل : « جلود الكافر في كل ساعة مائة مرة ، كلما أكلتها النار وأحرقتها قيل لهم : عودوا فيعودون كما كانوا » وهذا يدل أن التبديل اعادة نفس الأولى .
وعن الحسن بن أبى الحسن : تبدل عليهم في اليوم سبعين ألف مرة ، وعن ابن عباس : يبدلون جلودا بيضا كأمثال القراطيش ، وقرئت هذه الآية عند عمر رضى الله عنه فقال للقارىء : أعدها ، فأعادها وكان عند معاذ بن جبل ، فقال معاذ : عندى تفسيرها : تبدل في كل ساعة مائة مرة ، فقال عمر : هكذا سمعت رسول الله A .
وعن أبى هريرة : مابين منكبى الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع ، وعنه أيضا : ضرس الكافر ، أو قال ناب الكافر مثل أحد ، وغلظ جلده مسيرة ثلاثة أيام ، يرفع الحديثين الى رسول الله صلى الله عليه سلم ، وذكروا أن النار تأكل أجسادهم حتى تنتهى ألى الفؤاد ، فينضج الفؤاد فلا تأكل فتخبو ، ثم يعادون خلقا جديدا .
﴿ إِنَّ اللهَ كَانَ عَزِيزاً ﴾ : في انتقامه ، فمن كفر لا يعجزه ما أراد .
﴿ حَكِيماً ﴾ : في عقابه ، فانه يعاقب على وفق حكمته ، ومنها تعذيب الضعيف بالنار الشديدة ، وأنه لا يعذب إلا مستحق التعذيب ، ولابد من وقوع وعيده كوعده ، صوتا لكلامه عن الكذب ، وليس من الحكمة تركه لمستوجبهن فأخطأت الأشعرية في قولهم : انه يتركه لبعض الملكفين الموحدين ، والمرجئة قبحهم الله إذ قالوا : كل وعيد فى القرآن تخويف لا يحقق بالوقوع .