37
الجزء ٣ · صفحة ٤٧٤﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ﴾ : الذى بدل من « من » لا نعته ، لأن من الموصولة لا تنعت بمعرفة ولا نكرة ، وإن جعلت نكرة موصوفة فالمعرفة لا تبدل من النكرة أو خبر لمحذوف أو منصوب لمحذوف على الذم ، أى : هم الذين يبخلون ، أو أعنى : الذين ، أو مبتدأ خبره محذوف ، اى : ﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ﴾ .
﴿ وَيَكْتُمُونَ مَآ آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ : أحقاء بكل ملامة ، وقرأ حمزة والكسائى : البَخَل بفتح الباء والخاء هنا وفى سورة الحديد ، وهو لغة . وقرىء : البخل بضمها . وقرىء : البَخْل بفتح الباء وسكون الخاء والآية نزلت فى كردم بن زيد ، وحيى بن أخطب ورفاعة بن زيد ، واسامى ابن حبيبن ونافع بن ابى نافع ، ويحى بن عمرو ، وهو من اليهود . قال ابن عباس : كانوا يقولون لزال من الأنصار يخالطوهم لا تنفقوا أموالكم فانا نخشى عليكم الفقر ولا تدرون ما يصير إليه أمر محمد تنصحاً منهم ، لعنهم الله ، ويكتمون ما أعطاهم اله من المال لئلا يسألهم سائل ، أو يطمع فيهم طامع ، وليقل بحسب الظاهر ، ما لزمهم من المال ، وقيل نزلت فى علماء اليهود الذين يكتمون صفة رسول الله سيدنا محمد A ، فهم يبخلون بإظهارها ويأمرون بالبخل به ، ويكتمونها ، وقد أتاهم الله بيانها فى التوراة من فضله ، وقيل المراد الأغنياء الذين كتموا الغنى وأظهروا الفقر بخلوا بالمال ، ولا يؤدون حقه ، والبخل فى نفسه عيب ، فكيف من يأمر به بعد أن بخل ، ومن أمثال العرب ، كما فى الكشاف ما أبخل من الضنين بنائل غيره قال الشاعر :
وإن أمرأ ضننت يداه على امرء … بنيل يد من غير لبخيل
قال : ولقد رأينا ممن بلى بداء البخل ، من إذا طرق سمعه أن أحداً جاء لى أحد شخص به وحل حبوته ، واضطرب ودارت عيناه فى رأسه كأنما نهب رحله ومسرت خزائنه ضجراً ، من ذلك وحسرة على وجوده . وعنه A : « إذا أنعم الله على عبد نعمة أحب أن يرى أثر نعمته على عبده » وبنى عامل الرشيد قصراً حذاء قصره فنم به عنده ، فقال الرجل : يا أمير المؤمنين إن الكريم يسره أن يرى أثر نعمته فأحببت أن أسرك بالنظر إلى آثار نعمتك ، فأعجبه كلامه ، وعنه A : « خصلتان لا تجتمعان فى مؤمن : البخل وسوء الخلق » .
و ﴿ مِن فَضْلِهِ ﴾ : متعلق بأتى على أن من للابتداء او لمحذوف حال من ماء أو العائد المحذوف على أنها تبعيضية ، ويجوز الابتداء أيضاً .
﴿ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ ﴾ : أى الذين جحدوا نعمته بالبخل والكتم ، والمعصية ومقتضى الظاهر : وأعتدنا لهم ، ولكن وضع الظاهر موضع المضمر ليصفهم بأن بخلهم وأمرهم بالبخل وكتمهم كفر .
﴿ عَذَاباً مُّهِيناً ﴾ : فى الآخرة يهينهم كما أهانوا النعمة بالإخفاء والكتم وعدم الشكر .