هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

32

الجزء ٣ · صفحة ٤٥٤

﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ : التمنى : حبك الشىء والرغبة فى أن يكون لك ، وأصله تقدير الشىء ، وذلك كما قال مجاهد أن أم سلمة قالت : يا رسول الله يغزو الرجال ولا تغزو النساء وإنما لنا نصف الميراث ، تمنت أن تغزو النساء وأن يكون ميراثهن كالرجل ، وكذا قالت معها نسوة . قيل : قالت أم سلمة مع ذلك « ليتنا كنا رجالا ، فنزلت الآية ناهية عن تمنى ذلك ، ولم ييقل ولا تتمنين بنون الإناث ، ليشمل نهى الرجال عن أن يتمنى أحدهم ما للآخر أو للنساء ، لأن واو الجماعة تكون للذكور وحدهم ، وتكون للذكور والإناث معاً ، تغليباً لهم عليهن ، كما قالت : نعبد الله ، وتعبده الرجال ، ويذكرون ولا نذكر ، فنزل ﴿ إن المسلمين والمسلمات . . الآية ﴾ وكانت هى أول ظعينة قدمت المدينة مهاجرة ، وكما قيل : لما جعل الله للذكر مثل حظالأنثنين قالت : النساء نحن أحق وأحوج إلى الزيادة من الرجال ، لأنا ضعفاء وهم أقوى وأقدر علىطلب المعاش منا ، فأنزل الله تعالى ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِه ﴾ . وقيل : لما نزل ﴿ للذكر مثل حظ الأنثنين ﴾ قالت الرجال : إنا لنرجو ان نفضل على النساء فى الآخرة فيكون أجرنا ضعف أجر النساء ، كما فضلنا عليهن فى الميراث ، وقالت النساء : إنا لنرجوا ان يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال ، كان لنا نصف الميراث ، فنزلت الآية تحريماً لتمنى خلاف ما شرع الله تعالى ، لأن تمنى خلافه رد له وتعرض لحكمة القدر مع عدم تمنى زوال النعمة عمن هى عنده ، وتحريماً للحسد الحاصل بذلك أن نضم إليه تمنى زوالها عمن هى عنده ، فإن تمنى زوالها حسد ، سواء تمنى انتقالها إلى نفسه أو غيره ، أو مطلق الزوال الآن بتمنى زوالها لأنه ضر صاحبها بها الناس ، قال بعض : والآية أيضاً تحريم لتمنيك مثل ما لغيرك بدون حب زواله عنه ، لأن تلك التعمة ربما كانت مفسدة فى حقك فى الدين والدنيا أو فيهما ، قال الحسن : لا تتمن مال فلان ، ولا مال فلان ، يعنى مثل مال فلان ، ولا مثل مال فلان ، ولا تدرى لعل هلاكك فى ذلك المال وليعلم العبد أن الله أعلم بمصالح عباده ، فليرض بقضائه ، ولتكن أمنيته الزيادة من عمل الآخر ، وليقل : اللهم أعطنى ما يكون صلاحاً لى فى دينى ودنياى ، ومعادى . والمشهور أنت منى المثل بلا حب زوال جائز ، ويسمى غبطة ، والمنع إنما هو فى الأمر الدنيوى كالجاه والمال ، وهو مذهب المحققين . وقالوا : لا يجوز للإنسان أن يقول اللهم أعطنى داراً مثل دار فلان ، وزوجة مثل زوجة فلان ، وذلك أنه إذا اعتبر ما بيده غيره ، فقد يؤد به اعتباره إلى حسده ومعارضته قضاء الله ، وعدم الرضى بقسم الله ومعاداة صاحبه ، وقد فسر بعضهم الآية بالمنع من غبطة أمر الدنيا ، فالتقدير : ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِه ﴾ لأن تمنى ما فضل به غيرك هو الحسد لا الغبطة ، إذ لا يكون لك إلا بزواله عنه ، وفى الغبطة فى أمر الدنيا تشتهى حصول الشىء له بلا طلب مذموم ، وذلك فيما يحصل بالطلب ، أو ما طلب فيما يحصل بدون طلب فضائع أيضاً ، وأما الغبطة فى أمر الدين فجائزة قطعاً ، لقوله A ؛

١٬٤٥٤ / ٧٬٦٨٠