46
الجزء ٣ · صفحة ٤٩٣﴿ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ ﴾ : متعلق بمحذوف حال من الذين أوتوا نصيباً و ﴿ من ﴾ للبيان ، والجمل بينهما معترضات ، أو يشترون حال من ﴿ الذين ﴾ أوتوا ، أو متعلق بمحذوف وجوباً حال من أعدائكم بيان له أيضاً ، أو متعلق بنصيراً ، وعليه فمن للابتداء ، أو بمعنى عن ، أو على ، فالجملتان معترضتان وقوله :
﴿ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ﴾ : مستأنف أو حال من الذين هادوا ، أو نعت لمبتدأ محذوف ، ومن الذين هادواك خبره ، أى : من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم ، وعليه أو على الفارسى ، فمن التبعيض وقد زعم أن من التبعيضية اسم مضاف لمجرورها ، فعليه فهى مبتدأ خبره يحرفون ، وقرئ : ﴿ الكلم ﴾ بكس رالكاف وإسكان اللام ، أما جمع كلمة بكسر كافها وإسكان لامها ، أو جمع كلمة بفتح فكسر ، نقل جمعها إلى كسر فإسكان ، وقرئ : ﴿ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ ﴾ وتحريف الكلام عن مواضعه : تبديل اليهود كلام التوراة بكلام آخر من أنفسهم ، يجعلونه مكان كلام التوراة ، بالكتابة أوبالقراءة أو بكليهما ، كما يجعلون مكان ربعه فى صفة رسول الله A ، لفظ طوال وذلك قول الحسن ، كما أزالوا الرجم وضعوا الجلد مكانه ، وقيل : المراد بالتحريف تفسيره على غير ما هو به ، وهو أكثر تحريفهم ، فإنه أكثر من تحريفهم بالتبديل ، وقيل : إلقاء الشبه وذلك كله فى التوراة عليه الصحيح ، وعليه الجمهور ، وقالت طائفة : التحريف بالتأويل فى القرآن ، وقيل : فى كلام رسول الله A وبهذا قال مكى : قيل يسألونه عن الأمر ، فيخبرهم به فيرى أنهم يأخذون بقوله فإذا خرجوا من عنده حرفوا كلامه ، فى المائدة ﴿ مواضعه ﴾ للإشارة إلى أنه بعد ان كان له مكان فى التوراة ، أزيل عنه ، فكان كغريب تغرب عن موضعه ، ولم يؤنث ضمير الكلم فى مواضعه ، لجواز تذكير ضمير اسم الجمع الذى هو بالتاء وواحدة بالتاء ، وقال الواحدىك كل جمع حروفه أقل من حروف واحدة ، يجوز تذكيره . قلت : ليس كذلك ، كما لا يصح قول من قال : ذكر لأنه ليس مؤنثاً حقيقياً .
﴿ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا ﴾ : قولك .
﴿ وَعَصَيْنَا ﴾ أمرك .
﴿ وَاسْمَعْ ﴾ : كلامنا .
﴿ غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ : حال كونك غير مسمع ما تكره يقال اسمعه فلان ففيهم السامع أنه اسمعه على مسوء يقال إلى الآن اسمعه كلاماً إذا أسمعه مكروهاً
﴿ وَرَاعِنَا ﴾ : أنظرنا نفهم كلامك أو انظرنا نكلمك ، قالوا ذلك كله بطريق اللين والتواضع بحسب الظاهر ، كمن يقول : ما أجرأنا على الله ، نسمع كلامه ولا نعمل به ، اى سمعنا كلامك يا محمد وعصينا أمرك وما يحسن لنا ذلك وقد أسأنا ومرادهم الاستهزاء ، كما قال :
﴿ لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ ﴾ : فإن لياً وطعناً : منصوبان بيقولون ، فهما عائدان غلى سمعناوعصينا ، واسمع غير مسمع ، وراعنا لا إلى ﴿ راعنا ﴾ وحده والنصب على الحال ، أى : ذمى لة وطعن ، او لا وين وطاعنين ، او على طريق المبالغة فى أنهم نفس اللى والطعن أو المفعولية المطلقة ل ﴿ يقولون ﴾ على تضمين القولى معنى اللى والتطعن : زيادة على معناه أو تقدير حال ، أى : لا وين ليّاً وطاعنين طعنا ، وغير حال من المستتر فى اسمع ، ويحتمل أن يكون قولهم ، واسمع غير مسمع ذمّاً أى اسمع مدعواً عليك بلا سمعت ، لأنه او أجبت دعوتهم عليه لم يسمع فكأنه أصم غير مسمع قالوا ذلك اتكالا على أن قولهم لا سمعت ، دعوة مستجابة ، ويحتمل أن يكون المعنى : اسمع غير مجاب إلى ما تدعو إليه ، ومعناه : غير مسمع جواباً يوافقك فكأنك لم تسمع شيئاً ، كما قال مجاهد : غير ميمع ، غير مقبول ما تقول ، ويحتمل أن يكون المعنى : اسمع غير مسمع منا ما تحب ، وليجوز على هذا الوجه الأخير ان يكون ﴿ غير ﴾ مفعلولا لقوله ﴿ اسمع ﴾ أى : اسمع كلاماً غير مسمع غياك ، لأن أذنك لا تعيهن وحاصل الأوجه كلها أنهم يقولون : إما الكلام حقّاً يلوونه إلى الباطل ، وإما سبّاً يظهرونه بصورة التوقير ، وتقدم الكلام على راعنا فى البقرة ، وحكى مكى : من معاينه اراعى الماشية يرمونه بانه يصلح لرعيها فقط يظهرون معنى المراعاة ، واللى بألسنتهم صرف اللفظ عما فى قلوبهم من السوء ، وأصله لوياً بفتح اللام وإسكان الواو ، قلبت ياءً وأدغمت فى الياء ، ويجوز أن يكون : أو يقولون ذلك فيما بينهم وأن يكونوا لم ينطقوا بذلك لكن قالوا بلسان حالهم : إذ لم يؤمنوا ، وكلا الوجهين خلاف الظاهر ، وخلاف المروى ، والطعن فى الدين تحقيره والهزء به ، مستعار من الطعن فىلشىء بمعنى الضرب له ، وكانوا يقولون لأصحابهم : تشمته ولا يعرف ولو كان نبيا يعرف ذلك ، ومن شتمهم قولهم : ﴿ راعنا ﴾ يريدونهُ من الرعونه وهى الحماقة فأخبره الله جل جلاله .