35
الجزء ١ · صفحة ٢٤٩ولا يطلق على الأنبياء أنهم ظلموا أنفسهم ، ولا وصفهم بالظلم . ومن قال إن الإنبياء لا يذنبون فإنه يحمل مثل فعل آدم على فعل ما كان الأولى تركه . وعندى : يجوز أن يقال ظلم آدم نفسه بأكله من الشجرة ، وأنه عصى ربه لقوله جل وعلا : ﴿ ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ﴾ مع قوله : ﴿ فأكلا منها ﴾ ولقوله عز و جل : ﴿ وعصى آدم ربه ﴾ مجازات مع لفظ القرآن ، والمذهب أنهم لا يوصفون بالكبيرة لا بالصغيرة ، قبل النبوة ولا معها ، ومن أجاز من قومنا عدم المعصية على الأنبياء قبلها ، قال : إن آدم لم يكن نبيا حينئذ ، ومن ادعى نبوته حينئذ فعليه البيان . وما وصفوا به من ذنب فليس كبيراً ولا صغيراً ، ولكن خلاف الأولى . وقد قيل : إن ذلك النهى للتنزيه ، وأما قوله : ﴿ عصى ﴾ ﴿ وغوى ﴾ ﴿ وتكونا من الظالمين ﴾ ﴿ وتكونن من الخاسرين ﴾ فلأنه ترك ما هو الأولى له ، فظلم نفسه ونقصها الحظ بتركه . ويأتى كلام فى بعض تلك الآيات ، وإنما أمره بالتوبة ولقنه إياها ، ليتدارك ما فاته مما هو أولى ، وإنما أخرجه من الجنة ونزع لباسه وفاءً لقوله : ﴿ إنى جاعل فى الأرض خليفة ﴾ وجزاءً لتركه الأوبى أو جرى عليه الإخراج والنزاع ، كما يجرى الضر على من تناول سما جاهلا له ، فإنه يضر من جهله ومن علمه ، لا على المؤاخذة ، وذلك من القضاء الأزلى عليه ، كما يقضى فى الأزل على من يموت بالسم جهلا به بعد وجوده ، وذلك أنه زين له إبليس فقاسمه ، فكف نفسه مراعاة لحكم الله ، فنسى وسوسة إبليس ، وقد أثرت فى طبعه ميلا ، فأكل منها بالميل الطبعى ، لا لمطاوعة إبليس لنسيانه وسوسته ، لكن قول : ﴿ فدلالهما بغرور ﴾ ونحوه من الآيات والاخبار ، يدل على أنه أكل باغتراره بها ، غير أنه يحتمل التأويلات المذكورة ونحوها مما يأتى ، وذكر كثيرة من قومنا ما يوافقنا . قال عاض فى الشفاء : وأما قصة آدم - عيله السلام - وقوله تعالى : ﴿ فأكلا منها ﴾ بعد قوله : ﴿ ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ﴾ وقوله : ﴿ ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ﴾ وتصريحه تعالى عليه بالمعصية بقوله : ﴿ وعصى آدم ربه فغوى ﴾ أى جهل . وقيل : أخطأ فإن الله تعالى بد أخبره بعذره بقوله : ﴿ ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى ولم نجد له عزما ﴾ قال ابن عباس : نسى عداوة إبليس ، وما عهد الله إليه من ذلك ، بقوله : ﴿ إن هذا عدوك ولزوجك . . ﴾ الآية . وقيل نسى ذلك بما أظهر لهما . وقيل لم يقصد المخالفة استحلالا لها ، ولكنهما اغترا بحلف إبليس وتوهما أن أحدا لا يحلف بالله كذبا . وقال ابن جبير : حلف لهما حتى غرهما ، والممن يخدع .