36
الجزء ١ · صفحة ٢٥٣﴿ ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ﴾ فأبيا أن يقبلا منه ، فأقسم لهما بالله أنه لهما لمن الناصحين . فاغترا بذلك وما كانا يظنان أن أحداً يحلف بالله كاذبا ، فبادرت حواء إلى أكل الشجرة ، ثم ناولت لآدم حتى أكل منها . قال ابن عباس وابن مسعود والجمهور : أغواهما مشافهة كما رأيت ، بدليل : وقاسمهما ، والمقاسمة ظاهرها المشافهة ، فقال طائفة : إن إبليس لم يدخل الجنة بعد أن أخرج منها ، وإنما أغواه بوساوسه من ارض . قال رسول الله A : « إن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم » قال الكلبى : دعا حواء من باب الجنة ، فقال لها : كلى من تلك الشجرة ، فأيكما أكل منها قبل صاحبه كان هو المسلط على صاحبه . قال الحسن : وسوس إليهما من الأرض ، لم يكن ليخلها بعد قول الله D : ﴿ اخرج منها فإنك رجيم ﴾ قال الكلبى : فابتدر الشجرة فسبقته حواء وأعجبتها حسن الشجرة وثمرتها فأكلت منها وأطعمت آدم . وروى محمد ابن اسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قيس أنه قال : سمعت سعيد بن المسيب يحلف بالله ولا يستثنى : ما أكل آدم من الشجرة وهو يعقل ، ولكن حواء سقته الخمر حتى سكر ، فقادته فأكل . فلذلك قال رسول الله صلى الله A : « الخمر مجمع الخبائث وأم الذنوب » قلت : يرده أن خمر الجنة لا يسكر ، وأنه فى حال سكره لا يكلف ، فكيف وصفه بالعصيان؟ ووصف نفسه بظلم نفسه ، إلا أن يقال ذلك فى جنة الدنيا أو خلق الله فى تلك الخمر الإسكار امتحانا ، أو ناولها الخمر من الدنيا إبليس ، وأنه وصفه بالعصيان ، ووصف نفسه بالظلم إذ شرب مسكرا ، ولم يتحفظ . ويقال : لما قال الله جل وعلا لآدم وحواء : ﴿ لاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ﴾ قال : نعم لا تقربها ولا نأكل منها ، ولم يستثنيا فى كلامهما ، فوكلهما الله تعالى إلى أنفسهما حتى أكلا . قال الحسن بن محمد بن الحسين : سمعت جدى يقول : يروى عن إبراهيم ابن أدهم أنه قال : أورثتنا تلك الأكلة حزنا طويلا . وزعموا عن الشبلى أنه قال : هذا أبونا آدم باع ربه بكف من حنطة ، وذلك بوسوسة إبليس ، وأعظم الأدوية - لمن ابتلى بوسوسته - الإعراض عنه ، والثقة بالله والتعوذ به ، وعدم الالتفات إلى ذلك اللعين . ويجوز هجر من اشتغل بالوسواس ليرتدع . قال ابن عطاء الله مؤلف كتاب المنن : كان بى وسواس فى الوضوء ، فقال لى الشيخ أبو العباس المرسى : إن كنت لا تترك هذه الوسوسة لا تعد تأتينا . فشق ذلك على وقطع الله الوسواس عنى . وكان أبو العباس المذكور يلقن للوسواس : سبحان الملك الخلاق إن يِشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد ، وما ذلك على الله بعزيز .