هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

36

الجزء ١ · صفحة ٢٥٥

فانطلق هاربا ، فأخذت شجرة من الجنة برأسه ، فقال لها : أرسلينى ، فقالت : لست بمرسلتك ، فناداه ربه : يا آدم أمنى تفر؟ فقال : ربى أستحييك : الثالث أنه أو هنه جلده وصيره مظلما بعد ما كان كالظفر ، وأبقى من ذلك قدرا يسيرا على أنامله ، ليتذكر بذلك أول حاله . والرابع أنه أخرجه من جواره ونودى أنه لا ينبغى أن يجاورنى من عصانى . كما قال الله تعالى : ﴿ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُو ﴾ يعنى آدم وحواء وإبليس والحية والطاووس . فهبط آدم بسرنديب من أرض الهند ، وقيل على جبل من الدهناء يسمى نود ، وقيل واسم ، وحواء بجدة من أرض الحجاز ، وإبليس بأيلة من أرض العراق وهى البصرة ، وقيل بيسان ، والحية بأصبهان ، والطاووس بأرض بابل . ويقال الحكمة فى إخراج الله آدم من الجنة أنه كان فى صلبه من لا يستحق حضرة القدس ، فإذا أخرجهم من صلبه أعاده إليها خالدا فيها . ويقال : إن الله تعالى أخرج آدم من الجنة ، قبل أن يجعله فيها فذلك قوله تعالى : ﴿ إنى جاعل فى الأرض خليفة ﴾ لم يقل فى الجنة ، وهذا خطأ لأن المتبادر من الإخراج والهبوط أنهما قد دخلاها إلا إن أراد هذا الزاعم بقوله قبل أن يجعله ، قبل أن يمكنه فيها ، أو أراد بقوله أن يجعله فيها ، الكناية عن سرعة الخروج ، وإلا فقد دخلها قطعاً ، بدليل أنه أشير له إلى الشجرة ، وبدليل أنه أكل منها . وعن عثمان ابن منبه : سمعت واصل بن عطاء يذكر أن آدم قال : كنا نسلا من نسل الجنة فأزلنا إبليس بالخطيئة منها إلى الأرض ، فليس ينبغى لنا الفرح فى الدنيا ، ولكن الحزن والبكاء ما دمنا فى دار الدنيا ، حتى نرد إلى الدار التى منها سبانا ، قال الشاعر :

منتك نفسك ضلة فأبحتها … سبل الرداء وهن غير قواصدp>> تصل الذنوب إلى لاذنوب وترتجى

درك الجنة بها وفوز العابدp>> ونسيت أن الله أخرج آدما … منها إلى الدنيا بذنب واحد

والخامسة الفرقة بينه وبين حواء مائة سنة هذا بالهند ، وهذه بجدة ، فجاء كل واحد منهما يطلب صاحبه ، حتى قرب أحدهما من صاحبه فازدلفا ، فسيمت المزدلفة ، واجتمعا بجمع وتعارفا بعرفة فى يوم عرفة ، فسمى الموضع عرفة . والسادس العداوة ، ألفى بينهما العداوة ، كما قال الله D : ﴿ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ . فالإنسان عدو للحية يشدخ رأسها حيث رآها ، والحية عدوته تلدغه ، وإبليس عدو لهما ، وفيه إشارة إلى أن الأحبة إذا اجتمعوا وتعانوا على المعصية أعقبت محبتهم عداوة ، قال الله تعالى : ﴿ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ﴾ السابع أنه نادى عليه بالعصيان فقال : ﴿ وعصى آدم ربه فغوى ﴾ وفى الحديث : إن إبراهيم عليه السلام تفكر ليلة من الليالى فى أمر آدم عليه السلام فقال : يا رب خلقت آم بيدك ونفخت فيه من روحك وأسجدت له ملائكتك ، وأسكنته جنتك بلا عمل .

٢٥٥ / ٧٬٦٨٠