هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

36

الجزء ١ · صفحة ٢٥٩

﴿ فِى الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ ﴾ : مصدر ميمى أى استقرار ، أو اسم مكان أى موضع استقرار . والاستقرار فيها تمكن فيه ، على ظهرها فى الحياة ، ولى بطنها بعد الموت . أو المراد التمكن فيها حال الحياة فقط . وقيل : الاستقرار فى القبور .

﴿ وَمَتَاعٌ ﴾ : أى تمتع وانتفاع ، بما فيها من نبات وتمار وغيرهما ، كمساكن وملابس وتحدث ومؤانسة . ويجوزأن يراد بالمتاع ذلك كله ، مع كونها سترا لنا بعد موتنا فإن ذلك نفع لنا ، والمتاع اسم مصدر بمعنى التمتع كما رأيت ، ويجوز كونه اسماً لنفس الشئ الذى يتمتع به .

﴿ إِلَى حِينٍ ﴾ : هو أجل الموت إذا فسرنا الاستقرار بالتمكن حال الحياة وإن فسرنا بالاستقرار فى القبر فالحين يوم القيامة . قال الشيخ هود قوله : ﴿ وَلَكُمْ فَى الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَعٌ إِلى حِينٍ ﴾ المستقر من يوم يولد إلى يوم يموت . انتهى . والحين المدة من الزمان طالب أو قصرت ، وليست كما قال بعض إن الحين المدة الطويلة من الدهر ، وإن قصرها فى الإيمان والتزامات سنة مستدلا بقوله تعالى : ﴿ تؤتى أكلها كل حين ﴾ ويبحث فى الاستدلال بهذه الآية أنه لو كانت دليلا لم يصح إطلاقه على أكثر من سنة . وزعم بعض كذلك أن أقصرها ستة أشهر ، لأن من النخل ما يطعم فى كل ستة أشهر . قال ابن عباس : لما هبط آدم إلى الأرض وقع على جبل سرنديب . وذكروا أن ذروته من أقرب ذرى جبال الأرض إلى السماء . وفكانت رجلا آدم - عليه السلام - على الجبل ورأسه فى السماء ليسمع دعاء الملائكة وتسبيحهم ، وكان يأنس بذلك فهابته الملائكة واشتكت نفسه ، فحطت قامته إلى ستين ذراعا ، وكان قبل ذلك تمس رأسه السحاب إذا قعد فصلع ، فأخر أولاده من ذلك الصلع ، فلما نقص من قامته قال : يا رب كنت جارك فى دارك ، ليس لى رب سواك ، ولا رقيب غيرك ، آكل فيها رغدا ، وأسكن فيها حيث أحببت ، فأهبطتنى إلى هذا الجبل ، وكنت أسمع أصوات الملائكة ، وأراهم كيف يحفون بعرشك ، وأجد ريح الجنة وطيبها ، وأنظر كيف يرى الملائكة يحفون بالعرش ، وهو تحت سماء الدنيا ، وكيف يجد ريح الجنة وهو يوجد مسيرة خمسمائة عام . اللهم إلا يقال أيدع الله له ذلك ، ويجوز أن يتكون له هذه الجنة فى السماء الدنيا ، ثم حطتنى إلى ستين ذراعا ، فقد انقطع عنى الصوت والنظر ، وذهبت عنى رائحة الجنة ، فأوحى الله تعالى إليه : إن ذلك بمخالفتك يا آدم ، قال يا رب مخالفتى قضاء وقدر . قال وهب : لما هبط آدم من الجنة واستقر جالسا على الأرض ، عطس عطسة فسال الدم من أنفه ، لما رأى سيلان الدم من أنفه ، ولم يكن رآه قبل ذلك ، هاله ما رأى ، ولم تشرب الأرض الدم فاسود على ظهرها كالحمم ، ففزع آدم فزعاً شديداً ، وذكر الجنة وما كان فيها من الراحة فخر مغشيا عليه ، وبكى أربعين عاما ، فبعث الله تعالى ملكا فمسح ظهره وبطنه ، وبجعل يده على فؤاده ، فذهب عن الحزن والعياء واستراح مما كان يصيبه من الغم .

٢٥٩ / ٧٬٦٨٠