هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

17

الجزء ٦ · صفحة ٣٥٩

﴿ كذلك يضْربُ الله الحقَّ والباطلَ ﴾ أى بينهما بالتمثيل ، ويجوز أن يكون الأصل كذلك يضرب الله مثل الحق والباطل ، فحذف المضاف ، فالحق وهو دين الله ، والقرآن والنور الحاصل فى القلب متهما كالماء فى البقاء والنفع وإزالة الوسخ والباطل ، وهو دين الشيطان ، والظلمة الحاصلة فى القلب ن اعتقاد السوء كالزبد فى عدم النفع ، وسرعة الزوال ، والذهاب كما قال الله جل جلاله :

﴿ فأمَّا الزَّبدُ ﴾ أى حقيقة الزبد الصادقة بزبد الماء ، وزبد ما يوقد عليه ، أو أراد بزبد الماء فقط ﴿ فيذْهبُ جُفاءً ﴾ حال أى باطلا مرميا به ، ضائعا متفرقا ، من قولك : جفاءة القدر الزبد ، أو جفاءة السيل ، أى رمى به ، أو من جفاء الريح الغيم ، أى فرقته وهمزته أصل ، وقيل بدل من واو وقرأ رؤية بن العجاج جفاءة والمعنى واحد .

قال أبو حاتم الأندلسى : لأن قرأ بقراءة رؤبة لأنه كان يأكل الفأر .

﴿ وأمَّا ما يْنفَع النَّاسَ ﴾ وهو الماء والحلية والمتاع المتخذان من الموقد عليه ﴿ فيمْكُث فى الأرْض ﴾ يبقى فيها زمانا طويلا ينتفع به ، وأما نحو وسخ الحديد مما يبقى فليس بقاؤه معتبرا لعدم الانتفاع به ، وعدم التحفظ عليه حتى لا يدرى أهله أين هو ، فذلك ذهابه ، والتباطل ولو كان يعلو على الحق فى بعض الأحيان ، فإنه فى نفسه مستقل ويمحقه الله ، ويجعل العاقبة للحق ، كما أن الزبد يعلو ثم يمحق .

﴿ كَذلكَ يضْربُ الله الأمثالَ * للَّذينَ ﴾ خبر ومبتدأه الحسنى ﴿ اسْتجابُوا لربِّهم ﴾ أجابوه بالطاعة وهم المؤمنون ﴿ الحسْنَى ﴾ أى مثوبة الحسنى فى الدارين ، أو الجنة ، والمنفعة الحسنى فى الدارين .

﴿ والَّذين ﴾ هى مبتدأ خبره ﴿ لو أن لهم ما فى الأرض ﴾ الخ ﴿ لَمْ يسْتجيبوا لهُ ﴾ وهم الكفار ﴿ لَوْ أنَّ لهم ما فى الأرْضِ ﴾ أى لو ثبت أن لهم ما فيها ﴿ جَميعاً ﴾ حال مؤكدة لصاحبها وهو ﴿ ومثْله معه ﴾ متعلق بمحذوف نعت لمثل على أنه لم يتعرف بالإضافة ، أو حال منه على أنه تعرف بها ، وعلى أنه يجوز مجئ الحال من اسم الناسخ ، فإن مثل معطوف على اسم إن ، فكأنه اسمها ، ويجوز أن يكون مثل معطوف على اسم إن ، ومع على خبرها ، فيكون من العطف على معمولى عامل .

﴿ لافْتدوْا بهِ ﴾ من عذاب الآخرة أى بالمذكور الذى هو ما فى الأرض ، ومثل ما فيها أو بما فى الأرض مع مثله أو به وبمثله ، فحذف على الوجهين الأخيرين قولك : مع مثله ، أو قنل : وبمثله والمعنى لها أن عليهم ، ورضوا أن يدفعوه فدية عن أنفسهم أولات حين قبول ، وما ذكرته هو الذى يظهر لى ، وأصححه ثم اطلعت على أنه قول النخعى ، وفرقد السبخى ، وشهر بن حوشب ، وابن عباس ، والجمهور ، وقال بعضهم : للذين اسجابوا متعلق بيضرب ، والذين لم يستجيبوا معطوف عليه ، فيكون الحسنى مفعولا مطلقا ، أى استجابة الحسنى ، ويكون قوله : ﴿ لو أن لهم ما فى الأرض ﴾ الخ مستأنفا لبيان مصير غير المستجيبين ، ويكون المعنى : إن الله يضرب للمؤمنين والكافرين الحق والباطل مثالا لهم ، أو يضرب الحق والباطل فى شأنهم ، ومثله ولو كان واقعا فى القرآن ، لكن الأولى خلافه ، لأن الأصل عدم الفصل ، فلو كان كذلك لقيل .

٢٬٨٥٩ / ٧٬٦٨٠