54
الجزء ١ · صفحة ٣١٤روى عن ابن عباس وغيره أن الرجل كان يبصر ولده ووالده وجاره وقريبه فلم يمكنهم المضى لأمر الله ، فأرسل الله سبحانه وتعالى ضبابة وسحابة سوداء لا يتباصرون تحتها ، وأمروا أن يحتبوا بأفنية بيوتهم ويأخذ الذين لم يعبدوا العجل سيوفهم ، وقيل لهم اصبروا فلعن الله من مد طرفه أو حل حبوته أو اتقى بيد أو رجل ، وتوبة من فعل ذلك من مردودة فيقولون آمين فتقبلوهم إلى المساء حتى كثر القتل ، فدعا موسى وهارون وبكيا وتضرعا وقالا : يا رب هلكت بنو إسرائيل البقية البقية ، فكشف السحابة ونزلت التوبة فسقطت الشفار من أيديهم وأمروا بالكف عن القتل .
قال على بن أبى طالب : وكان القتى سبعين ألفاً والاحتباء ضم الساق إلى البطن بثوب أو عمامة أو غيرهما ، والحبوة ما تحصل من تلك الكيفية ، والبقية منصوب بمحذوف وكرر توكيدا ، أى اللهم هب لنا البقية البقية أو سلم البقية البقية أو اترك البقية البقية أو أبق البقية البقية أو نحو ذلك . وذلك القتل كفارة لذنبهم بعد ما تابوا كما يفعل الإنسان ذنباً كبيراً فيتوب ، وتلزمه الكفارة كالقتل فذلك تمام للتوبة ، أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام : أن توبة المرتد لا تتم إلا بقتله مطلقاً أو ذلك فى توبة المرتدين بعبادة ذلك العجل خاصة ، وليس ذلك فى شرعنا بل إن تاب المرتد لم يقتل . وتحملوا شدة القتل لأنهُ أهون من غضب الله ونار جهنم ، ولأن الموت لا بد منهُ ، فلما أمرهم موسى عليه السلام قالوا : نصبر لأمر الله فجلسوا محتبين ، وسلط عليهم القوم الخناجز والسيوف على حد ما مر ، وروى أنه اشتد ذلك على موسى ، فأوحى الله إليه : أما يرضينك أن أدخل المقتول الجنة ، ويكون شهيداً ومن بقى أكفر عنهُ ذنوبه؟ وروى أن الذين عبدوا العجل والذين لم يعبدوا ولم يعتزلوا لبسوا كلهم السلاح أمروا بقتل بعضهم بعضاً ، وألقى الله عليهم الظلام ففعلوا حتى بلغوا سبعين ألفاً ، وقيل وقف الذين عبدوه صفاً ، ودخل من لم يعبدوه عليهم بالسلاح ، فقتلوهم ، وذكرت طائفة أن الذيبن عبدوه جلسوا بالأفنية ، وخرج يوشع بن النون ينادى معلون من حل حبوته ، وجعل الذين لم يعبدوه يقتلونهم ، وموسى A فى خلال ذلك يدعو ويرغب فى العفو عنهم . روى أن موسى قال لهم : توبوا . فقالوا : كيف التوبة يا موسى؟ قال : اقتلوا أنفسكم . قالوا : نفعل يا موسى ، فأخذ عليهم العهد والميثاق ليصبرن للقتل وليرضون بالقضاء . قالوا : نعم . قال : أصبحوا فى أفنية بيوتكم كل بنى أب على حدتهم ، ففعلوا . فأمر السبعين الذين مضى بهم إلى الميقات فمشوا فيهم بالسيوف فقتلوا من لقوا .
قال الشيخ هود : فبلغنا والله أعلم أن الرجل من بنى إسرائيل يأتى قومه فى أفنية بيوتهم جلوساً ، فيقول إن هؤلاء إخوانكم أتوكم شاهرين السيوف ، فاتقوا الله واصبروا ، فلعنة الله على رجل حل حبوته أو قام من مجلسه أوحد إليهم طرفاً أو اتقى بيد أو رجل فيقولون آمين .