هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

68

الجزء ١ · صفحة ٣٥٣

﴿ قَالُوا ﴾ : لموسى .

﴿ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هى ﴾ : الذى فى كتب المعانى والبيان أن ما يسأل بها على الجنس غالباً ، تقول ما فى ذلك الذى ظهر إنسان أم فرس أم جمل . . ونحو ذلك ، وها هنا أمروا ببقرة فقد علموا الجنس ، ومع علمهم به سألوا بما ، وكان الأنسب لهم أن يسألوا بكيف أو بأى ، لأن كيف يسأل بها عن الحال ، وأى يسأل بها فى طلب التمييز من الجملة ، فيحتمل أن تكون ما هنا سئل بها فى طلب التمييز كأى ، أو سئل بها عن الحال ككيف على غير الغالب ، كأنهم قالوا : بيِّن لنا أى فرد هى من أفراد البقر ، أو كيف هى فى الكبر والصغر . وإن قلت : قوله : ﴿ لا فارض ولا بكر ﴾ يناسب قولك كيف هى فى الكبر والصغر ، ولا يناسب قولك أى فرد هى من أفراد البقرة ، قلت : يناسب أيضاً قولك : أى فرد هى من أفراد البقر بوجه هو مجازاته تعالى لهم على مقتضى استقصائهم فى السؤال تشديداً عليهم ، كما شددوا على أنفسهم ، وذلك أن قوله : ﴿ لا فارض ولا بكر ﴾ لا يقنع من يطلب تعيين الفرد ، فيحتاجون بعد إلى السؤال ، وهذا كما تقول لغلامك : اشتر لى من رجل بقلا ، فلو مشى إلى رجل ما واشترى عنه لكفى ، لكنه قال : من هو ذلك الرجل الذى تأمرنى به فتابعته على سؤاله؟ فقلت له : رجل قصير كوسج . فقال لك فى أى موضع هو؟ فقلت له : فى رحبة كذا . فقال : من هو؟ قلت : هو الذى بين دكان لكفى ، ولكنك طاولته لما تطاول ، ويحتمل أن ينزلوا البقرة منزلة ما لم يعرفوه من أى جنس فسألوا بما ، وذلك أنهم قد علموا من حزم موسى واستعاذته من الجهالة أن ميتهم يتبين قاتله بالبقرة التى أمرهم بها ، لكنهم استعظموا بقرة يتبين بها قاتل ميت ويحيا بها ميت ، فكأنها لمكانها من الغرابة لم يعرفوها من أى جنس .

﴿ قَالَ ﴾ : موسى .

﴿ إِنَّهُ ﴾ : أى الله سبحانه وتعالى .

﴿ يَقُولُ إِنَّها ﴾ : أى البقرة التى أمركم بذبحها .

﴿ بَقَرَةٌ لاَ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ ﴾ : لا فارض بمنزلة المضاف والمضاف إليه ، والمضاف نعت بقرة ، كأنه قيل بقرة غير فارض وغير بكر ، ونزلت لا ومدخولها منزلة اسم فكان الإعراب فى آخر الجزء الثانى وهو فارض ، فمجموع : ﴿ لا فارض ﴾ نعت بقرة كما جعل : إلا الله نعت لا إله ووجه آخر كوفى أن تكون لا اسم انتقل إعرابه لما بعده لمجيئه على صورة الحرف ، ووجه آخر أن تكون لا داخلة على مبتدأ محذوف ، والجملة مقول لنعت محذوف ، أى بقرة مقول فيها لا هى فارض ولا هى بكر ، ولولا ذكر ( عوان ) بعد لقلنا لا عاطفة على محذوف نعت ، أى بقرة أوسط لا فارض ولا بكر ، ويحتمل هذا الوجه أيضاً على جعل ذكر عوان توكيداً له فى المعنى ، وعوان خبر لمحذوف ، وإن جعلنا عوان نعتا لبقرة كانت لا عاطفة على بقرة ، والفارض : الكبير السن ، يقال : فرضت البقرة فروضاً من الفرض بمعنى القطع ، كأنها قطعت أسنان فمها أو قطعت أعوامها ، أو قطعت الولادة أو قطعت قوتها .

٣٥٣ / ٧٬٦٨٠