91
الجزء ١ · صفحة ٤١٩﴿ الحقُّ ﴾ : الثابت من الله والجملة حال من ما فى قوله ﴿ بما وراءه ﴾ .
﴿ مُصدِّقاً ﴾ : حال من الحق وغير مؤكدة ، لأنه لا يلزم من كون الشئ حقاً كونه مصدقاً لغيره ، والقرآن مثلا ولو كان مصدقاً لما قبله ، لكن لفظ الحق لا يفيد أنهُ مصدقاً ، لأنه إذا نظرنا إلى اللغة أمكن أن يكون القرآن لم ينزل فيه شئ مما نزل قبله أصلا ، وإنما نعرف الاتفاق بين القرآن وغيره فى أشياء من خارج ، وكذا إذا جعلنا مصدقاً حالا مما فليس كما قيل إنه حال مؤكدة للحق أو لمانع هى مؤكدة بالنظرة إلى ما علمنا من الشرع ، أن كل ما أنزل الله حق وأنه يصدق بعضه بعضاً ، وقد أطلق سيبويه وله اليد الطولى فى الحديث والتفسير والنحو مشارك لغيره فى سائر العلوم الموجودة فى زمانه ، كما أشار إلى بعض ذلك الخضرى فى حاشية ابن عقيل أن ﴿ مصدقاً ﴾ حال مؤكدة .
﴿ لِمَا مَعَهُم ﴾ : وهو التوراة والإنجيل ، لأنهم ولو كذبوا الإنجيل لكنه موجود فى زمانهم ، كلفوا به فجاز أن يقال معهم ، وفى قوله : ﴿ وهو الحق مصدق لما معهم ﴾ رد لقولهم : نؤمن بما أنزل علينا ، لأنهم إذا كفروا بما يصدق التوراة من القرآن وغيره ، فقد كفروا أيضاً بما أنزل عليهم وهو التوراة ثم رد عليهم بقوله :
﴿ قُلْ ﴾ : يا محمد لهم .
﴿ فَلِم تَقْتُلون أنْبِيَاءَ اللهِ مِن قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤمنينَ ﴾ : أى لم قتلتم أنبياء الله قبل هذا الزمان أو قبل بعثة هذا النبى A إن كنتم مؤمنين بالتوراة ، إذ هى محرمة لقتل الأنبياء ناهية عنه فتقتلون بمعنى الماضى ، ويناسبه قوله : ﴿ من قبل ﴾ ، ويجوز كونه للحال استحضاراً للقتل وزمانه الماضى ، أو تنزيلا لزمانهم منزلة زمانه ، لأنهم أو لما كانوا راضين بفعل آبائهم من القتل ، ومتولين لهم مع ذلك ومستمرين على طريقتهم إذ أرادوا قتل رسول الله A صح أن يوصفوا بالملابسة فى حالهم للقتل ، وقوله : ﴿ من قبل ﴾ دليل على أن القتل الحقيق واقع فى الزمان الماضى فهو كالتجريد فى الاستعارة ، وأسند القتل إليهم مع أنه فعل أسلافهم لما ذكرت آنفاً من رضاهم بفعل أسلافهم وتوليهم إياهم ، واستمرارهم على طريقتهم ، وفى الأثر إذا علمت المعصية فى أرض فمن أنكرها وكرهها فهو برئ منها ، ومن رضيها كان من فعلها ، وكانوا لعنهم الله يقولون إنك لم تأتنا بمثل الذى آتانا به نبينا ، ولم يكن لنا نبى إلا يأتنا بقربان تأكله النار .