110
الجزء ١ · صفحة ٤٩١﴿ وأقيموا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزّكَاةَ ﴾ : استئناف أو عطف على اعفوا ، أمرهم الله تعالى بالصبر ، ومخالفة الكفار ، والمعاشرة بالخلق الحسن ، والالتجاء إلى الله به للعبادة التى هي خالية عن الإحسان إلى الخلق ، وأشار إليها بإقامة الصلاة إلا أنها تدعو إلى الإحسان إليهم ، وبالعبادة التى هى إحسان إليهم ، وأشار إليها بإيتاء الزكاة ، وخصهما بالذكر لأن الصلاة عماد الدين ، والمال شقيق الروح تشح عليه الأنفس . وذكر ابن جرير الطبرى أنه إنما آمر الله D المؤمنين بالصلاة والزكاة هنا ليحط ما تقدم من قولهم راعنا ، لأن ذلك نهى عن نوعه .
﴿ وَمَا تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكُم من خَيرٍ ﴾ : من عبادة فإنها خير ونفع بدنية ، كالصلاة والصوم ، أو مالية كالزكاة وصدقة التطوع ، أو مالية وبدنية كالحج والجهاد من ماله ، أو قلبيه كالتفكر فى المصنوعات والعلم وحب المؤمنين وبغض الكافرين . وقيل : المراد بالخير المال يتصدق به صدقة التطوع ، لأن الزكاة تقدم ذكرها ، وقرئ : تقدموا ( بإسكان القاف وتخفيف الدال ) من قولك أقدمه بمعنى قدمه بالتشديد . فإن قدم بالتخفيف يتعدى بالهمزة كما يتعدى بالتشديد .
﴿ تَجِدُوه ﴾ : أى تصيبوه وتوافوه على حذف مضاف ، أى تجدوا ثوابه .
﴿ عِنْدَ الله ﴾ : أى يجد ثواب التمرة واللقمة كجبل أحد وأكثر ، وروى ابن المبارك فى رقائقه ، وهو رجل مخالف يذكر بعلم وشجاعة وحكمة بسنده : أن رجلا من الأنصار جاء إلى رسول الله ، A ، فقال : يا رسول الله ما لى لا أحب الموت؟ قال : هل لك مال؟ قال : نعم يا رسول الله ، قال : فقدم مالك بين يديك ، فإن المرء مع ماله إن قدمه أحب أن يلحقه وإن خلفه أحب التخلف . وذلك ما يروى : « قدم مالك أمامك يسرك اللحاق به » . وروى الربيع بن حبيب ، C ، عن أبى هريرة أن رسول الله ، A ، قال وهو يعظه : « اغتنم خمساً قبل خمس : شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك ، وغناك قبل فقرك ، وفراغك قبل شغلك ، وحياتك قبل موتك »
﴿ إنَّ اللهَ بما تَعْمَلونَ بَصِير ﴾ : عليم بكل ما اعتقده أحد أو قاله أو فعله من خير أو شر ، فيثيب على الخيرن ويعاقب على الشر ، والاعتقاد والقول عمل ، كما أن أفعال سائر الجوارح ع مل ، ولا يضيع عنده عمل ، ولا يخفى قليلا أو كثيراً ، وذلك ترغيب فى الطاعات ، وزجر عن المعاصى ، ويحتمل أن يكون المراد ما تعملون من الخير فيكون ترغيباً ، وقرئ يعملون ( بالتحتية ) وعود الضمير لأهل الكتاب ، فيكون ذلك وعيداً لهم وتهديداً .