100
الجزء ١ · صفحة ٤٣٥﴿ أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ﴾ : قال سيبويه : الواو للعطف دخلت على ألف الاستفهام ، انتهى . وهو محتمل لأن تكون الهمزة من المعطوف بالواو لكن قد حلت على الواو ، والعطف على ﴿ وما يكفر بها إلا الفاسقون ﴾ ومحتمل لأن تكون على محذوف معطوف عليه ، أى كفروا بالآيات البينات ، وكلما عاهدوا عهداً ، والعطف على الأول عطف إنشاء على أخبار ، وعلى الثانى عطف أخبار على إنشاء ، وعندى يجوز كون الواو للاستئناف والهمزة مما بعدها ، وأصل واو الاستئناف العطف عندى ، وقرأ ابن السمال ( بسين مهملة وميم مشددة ولا بعد ألف ) أو كلما بإسكان الواو ، فهى أو العاطفة ، وهى لتنويع من يكفر بها ، وكأنهُ قيل وما يكفر بها إلا الذين فسقوا أو نقضوا عهد الله مراراً كثيرة ، كلما عاهدوا نقضوا ، لا بمعنى بل ، وقال الكوفيون وأبو على وأبو الفتح وابن برهان : إنها للإضراب كبل ، أى كلما عاهدوا . ذكره ابن هشام . وإنما يجوز هذا عند سيبويه أن تقدم نفى أو نهى ، وأعيد مع العامل نحو ما قام زيد أو ما قام عمر ، ولا يقم زيد أو لا يقم عمرن ونقله ابن هشام عن ابن عصفور عن سيبويه ، وكل ظرف متعلق بنبذ على حد ما مر ، وقرئ عوهدوا ، وقرئ عهدوا ، أى كلما عاهدوا الله عهداً ، أو كلما أخذ الله منهم العهد أن يؤمنوا بمن يبعث الله رسولا وينصروه على المشركين ، ويعملوا بما أوحى إليه ، أو كلما عاهدوا نبيا بعد إرسال الله إياه أن يعينوه على المشركين . وقال العهد الذى أخذ عنهم ونبذوه هو ما أخذ عليهم فى التوراة من أمر النبى ، A ، ومعنى نبذوه طرحوه ، والنبذ الطرح ، والغالب استعماله فما ينسى ، والمراد الإعراض والترك لذلك العهد ونقضهُ ، وقد قرأ ابن مسعود : أوَ كلما عاهدوا عهدا نقضه فريق منهم ، أى من اليهود . ومحط الاستفهام التوبيخ الإنكارى ، هو قوله : ﴿ نبذه ﴾ وإنما قال فريق لأنه منهم من لم ينقض وهم قليل ، وإطلاق الفريق على الأكثر جائز ، فإن الأكثر هم الناقضون كما قال الله جل وعلا :
﴿ بَلْ أَكْثَرُهُم لاَ يُؤمِنُونَ ﴾ : وفيه إشارة إلى إشارة إلى أنهُ لم ينبذ سرا لأن ما يفعلهُ جمهور القوم من شأنه الشهرة والظهور ، وبل للانتقال ، والمعنى ليس من شأن أكثرهم الإيمان ، أو لايؤمنون بالتوراة فلا يأخذون الوفاء بالعهد ديانة ، وهونوا نقضهُ ولم يروه ذنبا ، ودأب اليهود نقضه ، وكم أخذ منهم ومن آبائهم فنقضوه ، وكم عاهدهم رسول الله A فلم يفوا . قال الله جل وعلا : ﴿ الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم فى كل مرة وهم لا يتقون ﴾ قال ابن عباس رضى الله عنهما : لما ذكرهم رسول الله A ما أخذ عليهم من العهود فى محمد A أن يؤمنوا به ، قال مالك بن الصيف : والله ما عهد إلينا فى محمد عهد فنزلت الآية ﴿ أو كلما عاهدوا ﴾ ومن عهودهم قولهم : أظل زمان نبى مبعوث فى كتابنا .